لا تمر علينا أيام إلا ويخرج علينا من ينتقد أو يتهم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بتهمة لا أساس لها ولا صحة لها، بل تهم يأتى بها لغرض فى نفس قائلها، وهذا لا يعنى أن صلاح الدين الأيوبى فوق النقد، فهو حاكم يجوز نقده بل وإخضاعه للتقييم، مثله مثل باقى الحكام، فهو تراخى بعد تحرير القدس فى الاستيلاء على ساحل بلاد الشام، وهو ما أعطى الفرصة للصليبيين فى الهجوم والتمكن من الساحل من عكا إلى يافا، ويرد علينا آخر أن الإرهاق أخذ مأخذه من الجيش الأيوبى بعد معارك دامية، وهكذا يكون الأخذ على والرد على المواقف من قبل المؤرخين.
أولا، قصر عدد كبير ممن كتبوا عن السلطان صلاح الدين الأيوبى فى تحليل شخصيته، فالكل حصرها فى كونه رجل حرب، فى حين أنه كان ملما بعدد من العلوم فقد جلس وهو صغير فى السن لتلقى العلم فى الجامع الأموى على يد عدد من العلماء منهم عبدالله بن عصرون، فكان مختلفا عن كل من حوله، فهو أيضا ممن رأوا غيره يحكم ويدير وعلى رأسهم نور الدين محمود السلطان المحارب، وحين جاء إلى مصر ضمن جيش نور الدين محمود عبر سيناء ثم بلبيس، واجه الصليبيين ثم الخونة من الوزراء الفاطميين، لكن أهم محطة هى توليه إمارة الإسكندرية، فحاصره الصليبيين وأنصارهم من البر والبحر، فأظهر من المهارة ما بهر العقول، واجتذب قلوب السكان نحوه بما رأوا فيه من الشجاعة والأقدام والصبر فى منازلة العدو ــــ صمد سبعين يوما ــــــ ولكن الصليبيين فكوا الحصار بعد أن تطرق اليأس إليهم، تولى صلاح الدين الأيوبى وزارة الدولة الفاطمية وكان عمره 22 عاما، ليواجه حصار الصليبيين لدمياط فصدهم، وجابه ثورة الجند السودانيين ضده، ثم أدرك ضعف ووهن الدولة الفاطمية بعد أن صارت أراضى مصر مفتوحة أمام الصليبيين بل تحالف كبار رجال الدولة الفاطمية مع الصليبيين، لذا كان عليه إزالة هذه الدولة التى وصلت لمرحلة الهوان المذل، فعقد العزم على أن يكون الدعاء فى خطبة الجمعة للخليفة العباسى الذى كانت له السيطرة الاسمية على العالم الإسلامى، فكانت خطبة الجمعة بمثابة إعلان نهاية الخلافة الفاطمية على مصر، وعودة السلطة الاسمية للخلافة العباسية على مصر، صار صلاح الدين له حكم مصر، واتهم صلاح الدين بإغلاقه الجامع الأزهر، وهذه الفرية شاعت وانتشرت، وفى حقيقة الأمر أن صلاة الجمعة أبطلت فى الجامع الأزهر وأقيمت فى جامع الحاكم بأمر الله وهو جامع فاطمى أيضا، ولم تكن هذه أول مرة تبطل صلاة الجمعة فى الأزهر بل أبطلت عند تشييد جامع الحاكم فى العصر الفاطمى لتنقل إليه كما فعل صلاح الدين، وسبب هذا قرب جامع الحاكم من دار الوزارة فى الجمالية حيث كان يقيم صلاح الدين، ليس إلا، وهذا كله سببه أن فقهاء المسلمين لم يكونوا يجيزون صلاتين للجمعة فى مسجدين فى أى مدينة فى وقت واحد حرصا على وحدة الجماعة.
المصدر: جريدة الشروق..مصر
الدكتور خالد العزب
كاتب وبروفيسور مصري. حاصل على الدكتوراه في الآثار الإسلامية. عمل رئيسا لقطاع المشروعات والخدمات المركزية بمكتبة الإسكندرية. فاز بجائزتين منها جائزة الدولة للتفوق في فرع العلوم الاجتماعية من قبل المجلس الأعلى للثقافة في مصر عن كافة أعماله البحثية عام 2016.
