مضر شيخ إبراهيم : لا يمكن النظر إلى العراق، بالنسبة لكل هاوٍ للتعب الفكري والمعرفي، إلا من الأعلى إلى الأسفل. وكيف لا، وفي أور بدأت المدن الأولى في التاريخ؟ ومعها، وربما قبلها، كان الإنسان العراقي، جينياً وثقافياً، هاضماً للحضارات والفلسفات والأديان والمشارب والمذاهب والطرائق المختلفة، وفنون الكلام من بيان ونثر وشعر وأبوذية.
إن مجرد التمحيص في ماضي «جمجمة العرب» يقود إلى حقيقة مفادها أن هذا التراب هو عصارة فريدة ومتفرّدة؛ من جلجامش وبابل ونبوخذ نصر والحدائق المعلقة ونينوى، إلى إرث الكرد التاريخي في جبال زاغروس وما شهدته من ممالك وإمارات وحضور بشري متواصل في شمال العراق، مروراً بالكوفة ومركزيتها في عهد الخلافة الراشدة، وكربلاء والنجف وذاك الدفق الروحي والثقافي الذي جعل العراق نقطة التقاء للشرق والغرب.
وعلى امتداد القرون، تعاقبت الغزوات والصراعات؛ من المغول والتتار إلى القوى الإقليمية والدولية المختلفة، مع امتدادات لا متناهية من التجاذبات والطموحات حول هذا البستان الغني، «أرض السواد»، بما يحمله من موقع وثروة وإنسان. ولعل سرّ العراق يكمن في قدرته الدائمة على استيعاب الصدمات وإعادة إنتاج ذاته، مهما اشتدت المحن.
وربطاً بهذه التراكمية التاريخية، وبفواعلها المؤثرة والمتأثرة، يمكن قراءة العراق خلال المئة عام الأخيرة. ولن أكرر ما أورده الكاتب والباحث الكردي عادل بنكوان في كتابه القيّم، والذي تناول كثيراً من محطات العراق الحديثة بإسهاب ودقة. لكن الثابت أن البلاد دخلت عهد الملكية، ثم ترنحت التجربة تدريجياً حتى انتهت نهاية دموية على جسور بغداد، لتبدأ بعدها حقبة جديدة تعاقب فيها القوميون والعروبيون والعسكريون والجنرالات، وبرزت أسماء ارتبط بعضها بالتنمية، وبعضها الآخر بالعنف والصدام، في سلسلة طويلة من التجارب التي صنعت العراق الحديث.
وانتهت تلك المرحلة بصعود صدام حسين، الذي قاد البلاد إلى حروب كارثية مع الجارتين إيران والكويت. ولعل المرء يتساءل: لو كان الرجل عسكري المنشأ وخاض الحروب بنفسه، وعرف كلفتها بالتجربة المباشرة لا من موقع الإشراف والقيادة فقط، هل كان سيخوض ما خاضه من حروب دون عناوين واضحة أو نهايات أوضح؟
ومع ذلك، لا يزال للرجل محبون ومريدون حتى هذه الساعة في أجزاء من المزاج العربي، ولا سيما القبلي منه؛ ربما لمحاكاتهم رمزية القوة التي جسدها، من الزي العسكري إلى بعض المظاهر الشعبوية المحببة لدى شرائح اجتماعية معينة. وبغض النظر عن الموقف من تجربته السياسية ونتائجها، فإن الإنصاف يقتضي القول إنه بدا ثابتاً وشجاعاً أمام القاضي حتى لحظاته الأخيرة.
بعد ذلك دخل العراق في مخاض الاحتلال الأميركي والبريطاني، وما تبعه من ترتيبات وقوانين دولية ارتبط جزء كبير منها بالنفط العراقي وغزارته وأهميته الاستراتيجية. غير أن قوى في الداخل والجوار لم تقف موقف المتفرج، بل سعت إلى التأثير في المشهد الجديد وفق مصالحها وحساباتها.
واليوم استطاعت بغداد، إلى حد بعيد، أن تؤسس معادلة سياسية معقدة تقوم على محاولة إرضاء واشنطن وطهران معاً. والأخيرة جار تاريخي يتقاطع مع العراق في الكثير من الروابط الدينية والمذهبية والجغرافية والاجتماعية والمصلحية، وكذلك الامر اقرب للطباق مع الجارة تركيا، بخلاف واشنطن التي تنظر إلى العراق من زاوية المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة وتوازنات المنطقة وأمن إسرائيل.
وللمعادلة هذه أخطارها المحدقة. ولتبسيط الصورة، بما يخص الداخل العراقي المستهجن لكل حريص يكفي أن تشاهد عشرات المواكب المرافقة لساسة عراقيين، شباباً كانوا أم كهولاً، وما تتضمنه من تكاليف باهظة، ثم تنتقل في الوقت نفسه إلى «الولاية»؛ أي البلدة القديمة، فتجد شاباً يُعرف بـ«أبي عرباية» يجر عربته اليدوية لينقل أمتعة الناس أو يساعد المسنين في كسب رزقه اليومي. والمفارقة أن هؤلاء الشباب ينتمون إلى البيئة الاجتماعية نفسها التي خرج منها أصحاب المواكب والحمايات والشواهد كُثر بهذا الخصوص.
وهنا تبدو إشكالية توزيع الثروة أكثر وضوحاً، ويتجلى الصدع المجتمعي الذي تحدث عنه الدكتور علي الوردي بأشكال مختلفة في المجتمع العراقي. فالمسألة ليست نقصاً في الموارد بقدر ما هي تحديات في الإدارة والعدالة والتنمية المتوازنة.
ومع ذلك، وفي النصف الممتلئ من الكوب، يمكن القول إن العراقي اليوم أكثر عافية وهدوءاً مما كان عليه في مراحل كثيرة من تاريخه الحديث. وشعبه العزيز، عرباً وكرداً وتركماناً وآشوريين وسائر المكونات، ينعم بقدر من الاستقرار ومحاولات التنمية المستمرة، رغم استمرار الخلافات السياسية والاقتصادية. لكن الجميع، في العموم، يلتقون عند أهمية السلم الأهلي واحترام التعددية وصون وحدة المجتمع.
وكم ستكون فرحتي كبيرة، كمواطن عربي، عندما أسمع أو أرى أن هذا البلد الغني بالطاقة الطبيعية والثروات النفطية قد أصبح مكتفياً ذاتياً بالكهرباء. فالعراقيون يستحقون ذلك وأكثر، ولعل هذا الإنجاز، إن تحقق، سيكون الانطلاقة الأهم نحو استكمال هرم التنمية الاقتصادية الكبرى، وبداية مرحلة تليق بالعراق ومكانته.
