“من بين القبور المتلاصقة في مقبرة شهداء فلسطين ببيروت، تبدو حكاية اللجوء وكأنها تواصل رحلتها حتى بعد الموت”
د. محمد سليمان فايد :بمقبرة الشهداء الفلسطينيين القريبة من مخيم صبرا وشاتيلا في بيروت، لا يحتاج الزائر إلى وقت طويل حتى يشعر أن الفلسطيني يحمل لجوءه معه حتى بعد الموت. المكان ضيق إلى حد الاختناق، والقبور متلاصقة بشكل مؤلم، خمسة أو عشرة سنتيمترات فقط تفصل بين قبر وآخر، حتى إن السير بينها يصبح صعبًا، وكأن أصحابها ما زالوا يعيشون ازدحام المخيم نفسه ولكن تحت التراب هذه المرة.
كنت أسير بصعوبة بين القبور، بينما يرافقني صديقي الفلسطيني علاء سكر، طالب الإعلام الذي يحمل في عينيه حماس الشباب وأحلام جيله بالعودة إلى فلسطين. كان يتحدث عن الصحافة والدراسة والحياة، لكن شيئًا في المكان كان يدفعني إلى الصمت أكثر من الكلام.
شعرت أن المقبرة ليست مجرد مكان للموتى، بل حكاية فلسطينية كاملة اختُصرت في أمتار قليلة من الأرض.

ومع كل خطوة بين القبور، بدأت أكتشف أن هذه المقبرة ليست كغيرها من المقابر. فهي لا تحتضن شهداء من فصيل واحد أو اتجاه سياسي واحد، بل تجمع تحت ترابها أبناء القضية الفلسطينية بمختلف انتماءاتهم الفكرية والسياسية، إلى جانب شخصيات عربية وأممية وقفت إلى جانب فلسطين ودافعت عن حق شعبها في الحرية والعودة. هنا تتراجع الخلافات والانقسامات، وتختفي الشعارات والرايات، فلا يبقى سوى اسم واحد يجمع الجميع: “فلسطين”. فبين القبور المتلاصقة بدا المشهد وكأن الموت نجح في توحيد الجسد الفلسطيني تحت التراب، بعدما عجزت السياسة طويلًا عن جمعه فوق الأرض.
هناك، تسللت إلى رأسي أسئلة ثقيلة لم أستطع الهروب منها: هل سيقف هؤلاء يوم القيامة مثل بقية البشر؟ هل سيمر الفلسطيني على الصراط المستقيم بعدما قضى حياته كلها يحاول المرور وسط الحروب والمجازر والمنافي؟ وهل يُحاسَب من عاش عمره مطاردًا، محرومًا من وطنه وبيته وأمانه، كما يُحاسَب الآخرون؟
كل شيء في المقبرة كان يوحي بأن الفلسطيني حتى في موته لا يحصل على مساحة كافية من الراحة. القبور متجاورة كما لو أن أصحابها التصقوا ببعضهم من شدة التعب والخوف والرحيل الطويل.
هنا شهداء، وهناك مقاتلون قدامى، وأسماء رحلت وبقيت حاضرة في ذاكرة الفلسطينيين أكثر مما هي مكتوبة على شواهد القبور.

وعندما اقتربت من قبر الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني، شعرت أنني أقف أمام صفحة كاملة من تاريخ فلسطين المعاصر.
فغسان، الذي وُلد في التاسع من أبريل/نيسان عام 1936 واغتاله الموساد الإسرائيلي في بيروت في الثامن من يوليو/تموز عام 1972، كان حاضرًا في ذاكرتي قبل أن أقف أمام قبره بسنوات طويلة. ففي قريتي المصرية، كوم الأطرون، سمعت اسمه للمرة الأولى بين أحاديث المثقفين والإعلاميين وعشاق القضايا الوطنية، وقرأت عن المخيمات الفلسطينية والمنفى ومجازر الاحتلال وقصص الصمود. لذلك بدا وقوفي أمام قبره لحظة استثنائية؛ كأنني ألتقي شخصًا عرفته من خلال كلماته وأفكاره قبل أن أعرفه من خلال شاهد قبره. وإلى جواره ترقد لميس نجم، ابنة شقيقته، التي استشهدت معه وهي في السابعة عشرة من عمرها. وحتى اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على رحيله، ما زال قبره يستقبل الزوار كأن صاحبه لم يغب عن المكان.
كان المشهد فوق قبره لافتًا ومؤثرًا في آن واحد؛ آية قرآنية منقوشة على الرخام، وإلى جوارها صليب صغير. توقفت متأملًا وسألت علاء عن ذلك، فابتسم وقال: “غسان ليس للمسلمين وحدهم ولا للمسيحيين وحدهم… غسان ابن الوطن كله”.
تحت شجرة الزيتون التي تظلل قبره وقبر لميس، كانت هناك ورقة معلقة تحمل كلمات لغسان عن الموت والأرض والزيتون. قرأتها أكثر من مرة، وشعرت أن الرجل الذي كتب يومًا عن الوطن والمنفى ما زال يحرس المكان بصمته، وما زالت كلماته تنبت بين القبور كما تنبت شجرة الزيتون في الأرض التي لا تموت.
علاء، الذي يدرس الإعلام ويحلم مثل آلاف الشباب الفلسطينيين بوطن طبيعي وحياة طبيعية، كان يتحرك بين القبور وكأنه يعرف أصحابها جميعًا،هذه المقبرة تكاد تكون الوحيدة بالعالم التى تضم في احشائها مسلمين ومسيحيين ومن جنسيات مختلفة حتى اليابان لهم فيها نصب تذكاري.
كان يتحدث عن فلسطين بحنين من لم يرها كاملة لكنه يحملها داخله كاملة. وفي تلك اللحظة فهمت أن الفلسطيني لا يرث فقط أسماء المدن والقرى، بل يرث الوجع أيضًا، ويرث الأمل.
غادرت المقبرة لكن السؤال بقي عالقًا داخلي: لماذا كل هذا الضيق على الفلسطيني؟ لماذا تطارده المعاناة في حياته، ثم تلاحقه حتى في قبره؟ ومع ذلك، ورغم الحزن الثقيل الذي يملأ المكان، يبقى هناك شيء لا يموت أبدًا داخل الفلسطينيين؛ إيمان عميق بأن الله يرى كل هذا الألم، وأن العدالة التي غابت طويلًا على الأرض لا يمكن أن تغيب في السماء.

وأنت تغادر المقبرة، لا تحمل معك صور القبور فقط، بل تحمل يقينًا بأن الفلسطيني، رغم كل ما خسره، ما زال يقاوم النسيان حيًا وميتًا.
