نظريّة اللعبة وراءَ غموض الأهداف الأمريكية في إيران
ترجمة : مرح إبراهيم
Courrier international
يبدو الصّراعُ الدائرُ حولَ مضيق هرمز مستعصيًا. في مقالٍ نُشر في مجلة “New Scientist”، يلجأُ الخبير الاقتصادي بيتروس سيكيريس إلى “نظرية اللعبة” لتوضيحِ المشهد.
“أنجزت المهمّة”: طالما شكّلت هذه العبارةُ هاجسًا لخبراء السياسة الخارجيّة الأمريكية منذ نطق بها الرئيس جورج دبليو بوش عامَ ٢٠٠٣ على متن حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن، مُعلنًا انتصاره في حربٍ استمرت ثماني سنواتٍ أخرى. تُجسّد هذه الكلمات اليوم نوعًا من الخداع الاستراتيجي للذات، وتُشيرُ إلى الفجوة بين ما تُحقّقه العملية العسكرية وما يدّعيه مُحرّكوها من إنجازات.
مع دخول المواجهةِ في مضيق هرمز شهرَها الثاني، نشهد ظهور هُوّةٍ من هذا النوع. يُمكن لنظرية اللعبة، وهي الدراسة الرياضية لصنع القرارات الاستراتيجيّة، أن تُساعدنا على فهم السبب.
في إطارِ مواجهةٍ عسكريةٍ تقليدية، قلّما نرى خصمًا يضاهي قوّةَ الولايات المتحدة وإسرائيل مجتمعتَين. ألحقت ترساناتهم عالية التقنية وقدراتهم على توجيه ضربات دقيقة، أضرارًا جسيمة بإيران. للوهلة الأولى، يبدو وكأنّ تحالفَهم على وشك الانتصار.
إلّا أنّ هذه الحرب ليست حربًا تقليدية، بل حربَ استنزاف: ينخرطُ طرفٌ أو طرفان في مواجهة مكلفة، ويبقى كل منهما فاعلًا على أملِ أن يستسلم خصمُه في نهاية المطاف. في هذه الظروف، تشير نظريّة اللعبة إلى أنَ النّصر لا يكون للأقوى، بل لمن يستطيع تحمّل الخسائر للمدّة الأطول. ممّا يُغيّر كل شيء، لأن الوقت يلعبُ في صالح إيران.
غموضٌ ليس من قبيل الصدفة
الخسائر التي تكبّدتها إيران كبيرة، لكنها لا تبدو فوقَ التحمّل. فقد أظهر النّظام قدرةً مذهلةَ على التجدد: تُزالُ طبقة من القادة، فتظهر طبقةٌ جديدةٌ على الفور. وتُعاد تعبئة مخزوناته من الصواريخ والطائرات المسيّرة الرخيصة المنتَجة بكميات كبيرة، بوتيرةٍ أسرع من استنزافها.
أمّا الولايات المتحدة، فوضعها مختلف كليًّا. يتطلّب الحفاظ على هيمنتها البحريّة في المضيق نشرَ موارد مستمرٍ ومكلفٍ للغاية. فكلّ عمليّة اعتراض مسيرة، وكل عملية تناوب مجموعة حاملة طائرات، وكلّ جهدٍ ديبلوماسيّ للحفاظ على تحالف هش، يضافُ إلى التكلفة الإجمالية التي تستمر بالتزايد مع مرور الوقت. في حربِ الاستنزاف، يُعدّ تفاوت التكاليف أهمّ من القوة النارية، وهذا العامل لا يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة.
قد يُساعد هذا الواقع البنيوي في تفسير جانبٍ من جوانب الحرب والذي أصبحَ موضع تساؤل لدى العديد من المراقبين: لماذا لم تُحدد إدارة ترامب أهدافَها الحربية بوضوح؟ إنّ هذا الغموض ليس من قبيل الصدفة. فعندما لا تكون الظروف على أرض الواقع لصالحك، تُظهر نظرية اللعبة أن تقديم أهدافٍ غامضة يُصبح ضرورةً استراتيجية.
قبل صياغة استراتيجيات عقلانية والتنبؤ بنتيجة المواجهة، على كلّ طرفٍ تحديد أهدافه، لكن في هذه الحالة، نرى أنّ الأهداف تتغيّرُ باستمرار.
انتخابات التّجديد النّصفي: عامل ضغط
لم تبدأ الحرب بسبب مضيق هرمز، بل كان الهدف الأولّ إسقاط نظام طهران، وتدمير البنية التحتية النووية الإيرانية، وإضعاف الحرس الثوري الإسلامي. عندما تراجعت هذه الأهداف، وهُمشّت لصالح حاجةٍ أكثر إلحاحًا وهيَ السيطرة على مضيق هرمز، تبيّنَ أن العمليّة العسكرية قد فقدت زخمها.
مع ذلك، تشير نظرية اللعبة إلى أنّ الغموضّ هذا سلاحٌ ذو حدين: فالطرفُ الذي لا يُحدّد هدفًا واضحًا يحتفظ بخيار إعلان النصر والحدّ من خسائره.
الأهداف المبهمة دائمًا ما تكون أكثر مرونةً من الالتزامات الصريحة: فعندما تكون الأهداف غير واضحة، لا يُحاسَب أحد على عدم تحقيقها، وبقليلٍ من الحنكة، يُمكن حتى إيهام الناس بأنّها قد تحقّقت. وقد استخدم دونالد ترامب هذه الطريقة مرارًا خلال ولايّتيه الرئاسيَّتين.
يبقى عائقٌ واحد، وهوَ الوقت. تُظهر الدراسات في الاقتصاد السياسيَ للصراعات أن القادة المقبِلون على انتخابات قريبة يتعرّضون لضغوط شديدة لإنهاء حروب الاستنزاف قبل أن يدلي الناخبون بأصواتهم. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفيّ، بات من المُلحّ أن يجد ترامب حلاً مقبولاً لهذا الصراع، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى.
