تُعد سوريا اليوم ساحة صراع إقليمي ودولي يتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة. فبين الحلم العثماني الذي يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإحيائه، والحلم التوراتي – التلمودي الذي يمثله المشروع الصهيوني بقيادة نتنياهو، تتحوّل سوريا إلى ساحة اشتباك مفتوحة.
أردوغان لا يُخفي طموحه في إحياء أمجاد السلطنة العثمانية، كما يظهر في خطابه المتكرر عن “الموطئ القلبي لتركيا في حلب والموصل”، وتصريحه بأن الحدود الحالية لا تُعبّر عن “الحدود الطبيعية لتركيا”. تلك التصريحات، إلى جانب دعواته المتكررة لإنشاء “منطقة آمنة” داخل الأراضي السورية تحت إشراف تركي، تكشف عن مشروع نفوذ طويل الأمد.
فهو يرى في سوريا كبوابة الشرق الأوسط امتدادآ جغرافياً حيوياً لنفوذه الجيوسياسي. ومن يسيطر عليها يملك مفاتيح المشرق العربي والممرّ إلى البحر الأبيض المتوسط وموارد الطاقة.
أما تدخلاته العسكرية المتكررة في الشمال السوري، من “درع الفرات” إلى “غصن الزيتون” و”نبع السلام”، فليست سوى ترجمة عملية لهذا الطموح التوسعي، المموّه بخطابات أمنية وإنسانية، ضمن إطار مشروع “تركيا الكبرى” أو ما يُعرف بـ”العثمانية الجديدة”.
في المقابل، يُجسّد نتنياهو، في خطابه التوراتي وكتاباته، رؤية توسعية تعتبر سوريا جزءاً محورياً في مشروع “إسرائيل الكبرى” الممتد من النيل إلى الفرات. إذ يُشكل ما يُعرف بـ”ممر داوود” محور هذا المشروع، حيث يمر عبر الأراضي السورية، والسيطرة عليه تعني تطويق المنطقة بأكملها والتحكم بممرات الغاز والمياه، وترسيخ الهيمنة الجيوسياسية.
من هذا المنطلق، يكتسب كلٌّ من الجولان وجبل الشيخ (المعروف توراتيًا بـ”جبل داوود”) أهمية استراتيجية مزدوجة، دينية وأمنية. فالجولان يُعد جزءاً من “أرض الميعاد” بحسب الرواية التوراتية، واحتلاله يشكّل خطوة أساسية ضمن المشروع التوسعي الإسرائيلي. أما جبل الشيخ، فيُعرف بأنه “رأس الجبل” من المنظور الأمني، حيث تتيح السيطرة عليه مراقبة واسعة تمتد نحو لبنان وسوريا ومواقع استراتيجية عديدة في المنطقة.
بالتالي، يُشكّل الجنوب السوري بوابة جغرافية استراتيجية نحو الأردن وفلسطين المحتلة، كما يُعد منطقة تماس حيوي وعازلاً أمنياً بالنسبة لإسرائيل في مواجهة قوى المقاومة.
في خلاصة هذا المشهد، تتعامل كل من تركيا وإسرائيل مع الجغرافيا السورية كجزء من رؤيتها العقائدية والإستراتيجية الأوسع، وإن اختلفت الأهداف والوسائل بين الطرفين
– تركيا تسعى إلى التمدد الجيوسياسي دون السعي إلى التقسيم، انطلاقًا من هواجسها الأمنية المرتبطة بالملف الكردي، حيث تعتبر أي كيان كردي مستقل تهديدًا مباشراً لأمنها القومي، وتسعى لضمان دور فاعل لها في مستقبل سوريا الموحدة ولكن الخاضعة لنفوذها.
– أما إسرائيل فتنطلق من رؤية معاكسة ترى في تقسيم سوريا ضماناً لأمنها الاستراتيجي وضربة لمحور المقاومة. وقد عبّر عن ذلك آفي دختر، الرئيس السابق للشاباك ووزير الاستخبارات، حين قال في إحدى محاضراته إن “سوريا الموحدة أخطر من سوريا الممزقة”، مشددًا على ضرورة بقاء سوريا ضعيفة. واعتبر أن “الكيانات الطائفية الصغيرة” تُسهل عملية التحكم بها. هذا الطرح ينسجم مع العقيدة الإسرائيلية القديمة، القائمة على تفتيت دول المنطقة وتحويلها إلى كيانات مذهبية متصارعة، كما ورد في مشاريع سابقة لموشيه شاريت وغيره ضمن ما يعرف بـ”هندسة الشعوب”.
وفي ظل هذا التناحر، تقف الدول العربية عاجزة، فيما تلعب إيران دور “اللاعب الثالث” . تلتقي تكتيكياً مع تركيا، لكنها لا تستطيع التحالف مع إسرائيل بحكم الصراع الوجودي معها.
مؤشرات التصعيد بدأت بالظهور من خلال توتر العلاقات التركية الإسرائيلية، وتقييد أنقرة للعلاقات الجوية والاقتصادية مع تل أبيب، مما يفتح الباب أمام مواجهة غير مباشرة قد تكون سوريا ميدانها الأول.
وقد نشهد أحد سيناريوهين:
1. تقاسم نفوذ تركي-إسرائيلي على الأرض السورية.
2. اندلاع حرب كبرى تغيّر معالم المنطقة الجيوسياسية.
تبقى أبرز التساؤلات في ضوء هذه السيناريوهات مرتبطة بمشهدين محوريين: أولاً، مشاركة أردوغان في قمة شنغهاي التي قد تشكّل نقطة تحوّل في إعادة رسم التوازنات الدولية ضمن تحالفات الشرق الصاعد؛ وثانياً، إمكانية أن توظّف تركيا هذا التحوّل الجيوسياسي لتعزيز موقعها كقوة إقليمية عبر النفاذ من البوابة السورية.
وفي المقابل، إسرائيل المرتبطة استراتيجياً بالولايات المتحدة، قد تواجه مستقبلاً غامضاً في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى ونشوء نظام دولي جديد يرتكز على العدالة واحترام سيادة الدول، مع دعم واضح من الصين للقضية الفلسطينية.
وفي المحصلة، لم يعد الصراع في سوريا شأناً سورياً داخلياً، بل تحوّلت الساحة السورية إلى ميدان تصادم لمشاريع كبرى:
الحلم العثماني بلباس إسلامي، والمشروع الصهيوني برداء ديني، والمشروع الفارسي تحت عباءة المقاومة.
ويبقى الحسم في الميدان: فإما الحفاظ على وحدة سوريا بشكلها الجغرافي ولكن بسيادة منقوصة وإرادة شعبية مقيدة، وإما الانزلاق نحو مسار جديد يعيد رسم خرائط المنطقة وفق مصالح القوى المتصارعة على أرضها.
