يرتبط تاريخ الشيعة في لبنان بتاريخ طويل من اللااستقرار السياسي والاجتماعي نتيجة التحولات السياسية والحروب وتبدل موازين القوى في المنطقة، فمنطقة الشرق الأوسط دائماً تشهد نزاعات وحروب، لكن الشيعة في لبنان كأقلية في المنطقة كانوا في مهب الريح الجيوسياسي والديمغرافي.
فمنذ القرون الإسلامية الأولى عاش الشيعة في مناطق متعددة من جبل لبنان والبقاع والجنوب، لكن وجودهم لم يكن مستقراً دائماً، بل تأثر بصورة مباشرة بطبيعة الصراعات الإقليمية وبوجود أو غياب قوة خارجية قادرة على توفير الحماية السياسية أو العسكرية لهم، ولهذا فإن قراءة التاريخ الشيعي في لبنان لا يمكن فصلها عن فكرة الحماية الخارجية، لأن الجماعات التي امتلكت سنداً إقليمياً أو دولياً استطاعت تثبيت حضورها، بينما الجماعات التي فقدت هذا السند تعرضت للتراجع أو التهجير أو الملاحقة.
في العصور الإسلامية الأولى، كان الشيعة ينتشرون في مناطق أوسع مما هم عليه اليوم، وخصوصاً في كسروان وأجزاء من جبل لبنان والبقاع وجبل عامل، وخلال بعض المراحل استفادوا من ضعف الدولة المركزية العباسية في ولاية الشام، وبالمقابل من صعود قوى إقليمية ذات مناخ شيعي مثل الدولة الفاطمية التي سيطرت على مصر وبلاد الشام، فشكّل العهد الفاطمي نوعاً من الغطاء السياسي والفكري للوجود الشيعي في المنطقة، إذ شهدت تلك المرحلة صعوداً نسبياً للحضور الشيعي والإسماعيلي في بلاد الشام، كما ازدهرت المدن الساحلية وكذلك التجارة، وبرز نفوذ نخب محلية مرتبطة بالقاهرة الفاطمية.
لكن مع سقوط الدولة الفاطمية وصعود القوى السنية العسكرية، وخصوصاً الأيوبيين، تبدلت الموازين جذرياً، فمع عودة النفوذ السني السياسي والعسكري إلى الشام، تراجع الحضور الشيعي الرسمي، وأصبحت الجماعات الشيعية في الأطراف الجبلية أكثر عرضة للضغط، ومع ذلك بقي جبل عامل يشكل بيئة أكثر أمناً نسبياً بسبب طبيعته الجغرافية وبعده عن المراكز العسكرية الكبرى.
ثم جاء العهد المملوكي الذي يُعتبر من أكثر المراحل صعوبة على الشيعة في لبنان، فالدولة المملوكية التي قامت بعد إسقاط الأيوبيين خاضت صراعاً وجودياً ضد المغول والصليبيين، وكانت شديدة الحساسية تجاه أي جماعات تعتبرها متمردة أو خارجة عن سلطتها، وفي هذا السياق تعرضت مناطق شيعية في كسروان وجبيل والبقاع لحملات عسكرية قاسية، خصوصاً في أوائل القرن الرابع عشر، فاختلط في تلك الحملات البعد المذهبي بالعامل الأمني والعسكري، لكن نتائجها كانت قاسية على الوجود الشيعي في جبل لبنان، إذ تراجعت الكثافة الشيعية في كسروان تدريجياً، وانتقل الثقل الشيعي أكثر نحو الجنوب والبقاع.
في المقابل، كانت جماعات أخرى تمتلك حماية أو امتداداً خارجياً أكثر استقراراً، فالموارنة رغم معاناتهم التاريخية، استطاعوا لاحقاً بناء علاقة متينة مع أوروبا وخصوصاً فرنسا، ما وفر لهم مع الزمن نوعاً من الحماية السياسية والدبلوماسية، أما أهل السنة فكانوا تاريخياً جزءاً من الدولة المركزية الإسلامية، سواء في العهد الأموي أو العباسي أو العثماني، وبالتالي لم يعيشوا شعور العزلة السياسية نفسه. أما الدروز فتمكنوا من تثبيت حضورهم الجبلي عبر بنية داخلية مغلقة وتحالفات إقليمية متنوعة ومحلية أيضاً حافظوا بها على وجودهم رغم التحولات الكبرى.
ومع دخول العثمانيين إلى بلاد الشام بعد سقوط المماليك سنة 1516، دخل الشيعة مرحلة جديدة من التحديات، فالدولة العثمانية كانت في صراع مفتوح مع الدولة الصفوية الشيعية في إيران، ولذلك نظرت بعين الريبة إلى الجماعات الشيعية في الشام ولبنان، وقد أدى هذا الصراع الإقليمي إلى زيادة الضغوط على شيعة جبل عامل والبقاع، سواء عبر الضرائب أو الحملات العسكرية أو التهميش الإداري.
غير أن الظهور القوي للدولة الصفوية في إيران شكّل للمرة الأولى منذ قرون سنداً شيعياً إقليمياً كبيراً، فالدولة الصفوية لم تكن مجرد دولة عادية، بل تحولت إلى مركز سياسي وديني للشيعة الإمامية، وقد استفادت من علماء جبل عامل اللبنانيين الذين لعبوا دوراً كبيراً في تأسيس المؤسسة الدينية الصفوية، وهنا أخذت العلاقة بين شيعة لبنان وإيران طابعاً أعمق من مجرد التواصل الديني ولو مرحلياً.
لكن هذا الإسناد لم يدم أبداً، فمع ضعف الصفويين ثم سقوطهم عاد شيعة لبنان إلى العزلة داخل السلطنة العثمانية، إلا أن جبل عامل حافظ على حيويته العلمية والدينية، لكن الشيعة بقوا في موقع التهميش والاستضعاف مقارنة بمراكز النفوذ الأخرى داخل النظام العثماني.
وعندما سقطت الدولة العثمانية وأُعلن قيام لبنان الكبير سنة 1920، وجد الشيعة أنفسهم مرة جديدة أمام تحولات مصيرية، فهم مع مَن؟ وأين هم؟ حيث شعر قسم كبير منهم أن الكيان الجديد يقوم برعاية فرنسية تعطي أفضلية سياسية للمسيحيين الموارنة، بينما هم يدخلون الدولة الجديدة من موقع الضعف الاقتصادي والسياسي، ولذلك كان موقف الزعامات الشيعية في البداية متحفظاً تجاه لبنان الكبير، لذلك فكر بعضهم في البداية بفكرة ارتباط لبنان بسوريا.
لكن مع الوقت، زال هذا الهاجس وانضم الشيعة إلى الميثاق الوطني يوم الاستقلال، وبدأت الطائفة الشيعية تدخل تدريجياً في مؤسسات الدولة اللبنانية، لكنها بقيت تعاني من الحرمان، خصوصاً في الجنوب والبقاع، وقد بقي الشيعة حتى ستينيات القرن العشرين من أكثر الفئات اللبنانية تهميشاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، رغم ازدياد عددهم السكاني، فباتوا من دون دولة مساندة من الجهة الخارجية ومن دون دولة عطوفة من الجهة الداخلية، فتفاقم المأزق الشيعي أكثر فأكثر، لا سيما مع إنشاء الكيان الإسرائيلي على الحدود الجنوبية وما تبعه من تنكيل وتهجير.
هنا برز الدور التاريخي للإمام موسى الصدر الذي شكّل نقطة تحول كبرى في التاريخ الشيعي اللبناني الحديث، فقد حاول الصدر بناء مشروع لبناني وطني للشيعة يؤمن بالدولة ولا يحتاج إلى مساندة خارجية، حيث يقوم على دمج الشيعة الكامل في الدولة اللبنانية بدل بقائهم على هامشها، ولهذا رفع شعار “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”، وسعى إلى منع تحول شيعة لبنان إلى مجرد امتداد خارجي لأي دولة أخرى تكون في مهب الرياح الإقليمية.
لكن اختفاء الإمام الصدر في ليبيا سنة 1978 شكّل لحظة مفصلية، لأنه جاء قبل أشهر قليلة من انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني، ومع انتصار الثورة عاد العامل الإيراني بقوة إلى المعادلة الشيعية اللبنانية، لكن هذه المرة ضمن مشروع سياسي وعقائدي شامل يتجاوز مجرد الدعم الديني التقليدي، وتصدر مشروع الدعم والحماية من إسرائيل.
فتأجج الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي سنة 1982 زادا من الحضور الإيراني في القيادة الشيعية، والوصول إلى اتفاق الطائف الذي أعاد توزيع السلطة في لبنان، مكرساً الدعم الإيراني للشيعة لمواجهة إسرائيل، عندها تعزز ارتباط جزء كبير من شيعة الجنوب بإيران ومحورها، خصوصاً مع صعود القوى الإسلامية المسلحة المدعومة من طهران في المنطقة، وهكذا شعر كثير من الشيعة للمرة الأولى منذ قرون أنهم يمتلكون قوة إقليمية قادرة على حمايتهم سياسياً وعسكرياً، كما السعودية للسنة وفرنسا للمسيحيين.
ومن هنا تبرز الفكرة الأساسية في مسار التاريخ الشيعي اللبناني: كلما توفر سند خارجي قوي، شعر الشيعة بالأمان النسبي والاستقرار، وكلما غاب هذا السند دخلوا مرحلة خوف أو تراجع أو تهجير، وهذا ما يجعل علاقتهم بإيران المعاصرة بالنسبة إلى قسم كبير منهم ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل امتداداً لذاكرة تاريخية طويلة من القلق الوجودي.
واليوم، وفي السياق المعاصر، وخصوصاً بعد دخول الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران هذا العام 2026، عاد هذا القلق التاريخي إلى الواجهة، فالكثير من الشيعة في لبنان ينظرون إلى مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتباره مرتبطاً مباشرة بمصيرهم السياسي والأمني داخل البلد والمنطقة، ولذلك فإن أي مشروع لإسقاط النظام الإيراني أو إعادة نظام شبيه بعهد الشاه يُنظر إليه لدى شريحة واسعة من شيعة لبنان كتهديد استراتيجي قد يعيدهم إلى مرحلة الضعف والعزلة التاريخية.
ولهذا فإن مستقبل الشيعة في لبنان سنة 2026 يبدو بالنسبة إلى كثيرين مرتبطاً بنتائج الصراع الإقليمي الكبير الدائر حول إيران، فالتاريخ، كما يراه هؤلاء، أثبت أن الطوائف في الشرق لا تعيش فقط بقوتها الداخلية، بل أيضاً بحجم الحماية أو الإسناد الخارجي الذي تملكه، سواء كان فرنسياً للمسيحيين، أو عربياً وإسلامياً للسنة، أو إيرانياً للشيعة، فالسؤال الحقيقي هنا: هل كان بمقدور الشيعة في لبنان الاستمرار بلا سند إقليمي من إيران؟ وهل كانت رؤية الإمام الصدر بعدم الارتهان لأي دولة مهما كانت قوية وشيعية هي الخيار الصائب لجهة نهائية الكيان اللبناني للشيعة؟ وهل توجد طائفة في لبنان ليست مستندة إلى دولة كبرى في المنطقة أو العالم؟ وهل توجد في العالم فئة من الأقليات نجت من احتضان دولة تماثلها بدينها أو عرقها؟ وهل توجد فئة داخل مجتمع متعدد حازت على كامل حقوقها وأمنها دون رعاية خارجية؟
