تندرج الاستراتيجية الأميركية لتطويق إيران ضمن خطة جيواستراتيجية شاملة تمتد من جنوب القوقاز إلى شرق المتوسط، حيث يشكّل جنوب لبنان محطتها الأبرز حالياً. فبعد ممر زنغزور الذي سعى لعزل إيران عن القوقاز والبحر الأسود، يُطرح مشروع “منطقة ترامب الاقتصادية” في الجنوب اللبناني كحلقة جديدة في هذا الطوق، تستهدف بشكل غير مباشر الحليف الإقليمي الأقوى لطهران، أي حزب الله.
يأخذ هذا المشروع طابعاً مركّباً يجمع بين الأبعاد الأمنية، الاقتصادية، والسياسية:
1. أمنياً: يشكّل المشروع أداة لإقامة منطقة عازلة خالية من السلاح قرب الحدود مع فلسطين المحتلة، ما يُساهم في تحييد أي تهديد محتمل من حزب الله وتعزيز أمن “إسرائيل”.
2. اقتصادياً: يُروَّج للمشروع كمبادرة تنموية واعدة، تقوم على إنشاء منطقة صناعية بالشراكة مع دول خليجية وغربية، ودمج الجنوب اللبناني في منظومة اقتصادية إقليمية لتوفير فرص عمل وتنمية بديلة.
3. اجتماعياً: تعيد هذه الفكرة إحياء مشروع الرئيس رفيق الحريري القائم على استبدال السلاح بالاقتصاد، عبر دمج الشباب في دورة الإنتاج بدلاً من الانخراط في العمل العسكري.
4. سياسياً: يأتي المشروع في إطار إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بعد الاتفاقيات الإبراهيمية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول السيادة اللبنانية، وجدوى المشروع إنْ كان غطاءً لتفكيك محور المقاومة أو تطبيع غير معلن..
5. الموارد النفطية: السيطرة على خطوط الغاز والنفط والطاقة شرق المتوسط والمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة (قانا والبلوك رقم ٩).
6. السيطرة الاقليمية: إعادة هندسة التوازن الإقليمي لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، بالتوازي مع عزل إيران والصين من معادلة الشرق الأوسط.
رغم الجهود الأميركية المتسارعة لتطويق إيران عبر خنق منافذها البحرية وقطع امتداداتها الجيوسياسية نحو البحرين الأسود والمتوسط، فإن تحجيم نفوذها، ولا سيما من خلال نزع سلاح حزب الله، يُنظر إليه في طهران كتصعيد استراتيجي يرقى إلى مستوى “الحرب غير المباشرة”.
إذا، تقف المنطقة على عتبة مرحلة مفصلية، تتشابك فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع رهانات أمن الطاقة والتنافس على النفوذ، ما ينذر بتحوّل لبنان إلى مركز لصراع إقليمي–دولي مفتوح، تتشكّل من خلاله معادلات جديدة لتوازن القوى في شرق المتوسط.
وفي ظل تصاعد الحضور الأميركي وطرح مشروع “منطقة ترامب الاقتصادية”، الذي يتوافق مع البحث الجدي لإنهاء عمل قوات اليونيفيل في الجنوب . مؤشر خطير بأن لبنان بات ساحة تتلاقى فيها مصالح الفاعلين الدوليين، ليغدو ميداناً لحروب جيو-اقتصادية تُخاض على أراضيه، في سياق أوسع من التنافس على الموارد والموقع الاستراتيجي في الإقليم.
