تدخل فرنسا اليوم موجة غضب تتردد أصداؤها في دول أوروبية عدة، من إيطاليا وبلجيكا إلى إسبانيا والبرتغال وربما المانيا غداً، حيث تتقاطع مطالب التعليم والسكن والأجور مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتأتي اضطرابات إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز لتضيف ضغطا على اقتصادات أنهكتها تداعيات حرب أوكرانيا، فيصبح الخارج حاضرا في ازمات المواطن وفي خلافه مع حكومته، ومن هنا يمكن قراءة الأزمة الفرنسية ضمن مأزق أوروبي أوسع، تتفاوت أسبابه المحلية بينما يجمعه تآكل الثقة بقدرة السلطة على حماية مستوى العيش.
بدايةً، هل بدأت الأزمة الفرنسية من المدارس المهملة ثم بدأت تتحول تدريجيا إلى معركة سلطة؟ وهل يستطيع اليمين المتطرف أن يحصد انتخابيا غضباً ساهم اليسار في تعبئته؟
إن تظاهرات تشرين الأول تكشف صراعا على تعريف الأزمة نفسها، أهي إخفاق في التعليم والعدالة الاجتماعية؟ أم تراجع للأمن وسلطة الدولة أمام تكرار الشغب؟ وبين التعريفين، تتنافس القوى السياسية على تجيير التظاهرات وتوجيه الغضب نحو صناديق الاقتراع، فيما تواجه الرئاسة الفرنسية اختبارا مزدوجا، استعادة الأمن واستعادة الثقة.
السؤال المفتاح، من أين بدأت التحركات؟ تشير المطالب الموثقة إلى الجذور التعليمية والاجتماعية ك اكتظاظ الصفوف بالطلاب وغياب الأساتذة دون بديل وتردي التجهيزات والنظافة وكذلك تطويل الأيام الدراسية، إضافة إلى القلق من منصة القبول الجامعي المسماة باركورسوب التي صنفت الطلاب واعاقت التعليم للعديد منهم، لذلك تكشف هذه الشكاوى شعورا بأن المدرسة أصبحت تعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي، فالطالب الذي ينتظر أستاذا غائبا ويدرس في مبنى متصدع ومهمل، يقارن واقعه بالوعود الرسمية حول المساواة وتكافؤ الفرص ويسأل عن موقعه في أولويات الدولة.
عملياً، أين تبدو مظاهر هذا الإهمال على الأرض؟ في ثانوية بول إيلوار بمدينة سان دوني شمال باريس، نقلت صحيفة لوموند شهادات عن جرذان وصراصير وأسقف متداعية ونقص في التجهيزات والكوادر التعليمية، فهل يدخل تدني رواتب الأساتذة ضمن تفسير الأزمة؟ يفتح هذا السؤال نقاشا حول جاذبية المهنة واستقرار العاملين فيها، بينما تتصدر المطالب الموثقة لهذه الموجة مسألة نقص المدرسين وظروف التعليم، وهكذا تتداخل كرامة الأستاذ وحق الطالب في التعلم مع السؤال عن تمويل المدرسة وإدارتها.
وأين يدخل اليسار؟ وفق ما أسلفنا، نجد أن اليسار قد وجد غضبا طلابيا قابلا للتوسع، فساهم في منحه صدى نقابيا وسياسيا، ودعمت الكونفدرالية العامة للشغل CGT التعبئة وشارك جان لوك ميلانشون زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي في المسيرة الباريسية، وقدرت وزارة الداخلية المشاركة في تحركات السابع عشر من تشرين الأول بنحو ٥٥٠ ألف شخص، مقابل نحو ٨٠٠ ألف بحسب المنظمين، فهل يمكن القول إنه أشعل الانتفاضة؟ يبدو دوره أوضح في تغذية التعبئة وتسييس المطالب وتوسيع المواجهة مع الحكم، بينما تتصل الشرارة الاجتماعية بتجربة الطلاب اليومية داخل المؤسسات التعليمية.
ومتى تصبح المطالب أزمة ثقة؟ عندما تتكرر الشكاوى وتتأخر الاستجابة يبدأ المحتجون بالتشكيك في جدوى الحوار، وعندما تقرأ السلطة التعبئة باعتبارها اختبارا لهيبتها، يتقدم سؤال السيطرة على سؤال الإصلاح، هنا تواجه حكومة سيباستيان لوكورنو، رئيس الوزراء الفرنسي، معضلة مزدوجة تقديم إيجابة تقنع الطلاب والأساتذة وحماية الحياة العامة وفي المقابل، يواجه اليسار امتحان تحويل الغضب إلى برنامج يمكن تمويله وتنفيذه.
لكن كيف تغير المشهد في السابع عشر من تشرين الأول؟ في باريس ومارسيليا وليون وبوردو رافقت التحركات اعتداءات وحرائق ونهب، وتضررت بلدية ليموج بشدة، واندلع حريق داخل مكتب سياحي في ليون، بذلك دخل التجار والسكان إلى الأزمة من باب الخوف على الممتلكات والأمن، وصار الاحتجاج يحمل صورتين متنافستين، حشود تطالب بالتعليم والعدالة الاجتماعية، ومجموعات تحطم وتنهب، وكلتاهما تستدعي استجابة السلطة، ولكن حين تدخل الممتلكات العامة والخاصة دائرة الاعتداء، تتقدم أولوية بسط الأمن، وتصبح الغلبة الإعلامية لإحدى الصورتين عاملا مؤثرا في اتجاه التعاطف الشعبي.
رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو اتهم مجموعات من اليسار المتطرف بتنظيم العنف، بينما انتقد جان لوك ميلانشون زعيم فرنسا الأبية، قيادة العمليات الشرطية واعتبر أنها ساهمت في الفوضى، مع إدانته النهب والتخريب، وشدد وزير الداخلية الفرنسي على مواجهة الاعتداءات، فهل كانت المشكلة في حجم الانتشار الأمني، أم في أساليب التدخل، أم في تحركات المجموعات العنيفة؟ تتطلب الإجابة تحقيقات تحدد المسؤوليات وتفصل بين حماية التظاهر وملاحقة الجرائم.
وما الذي استجد حتى العشرين من تشرين الأول؟ عرفت باريس ليلة أكثر هدوءا بعد فرض حظر تجول محلي في منطقتي ساحة الجمهورية ولي هال، ضمن إجراءات شملت مدنا أخرى، وأفادت أسوشيتد برس بأن حصيلة التوقيفات المرتبطة بأعمال شغب السبت بلغت ما لا يقل عن ٢٤٠٠ شخص، وهكذا انتقلت السلطة إلى احتواء أمني أشد، ويبقى السؤال، هل يتحول هدوء الشارع إلى مدخل لمعالجة المطالب، أم يبقى هدنة تحت ضغط الإجراءات؟
وحتى يكتمل المشهد، بدأ اليمين واليمين المتطرف الاستثمار في كل ذلك، حيث اعتبرت مارين لوبان (زعيمة الكتلة النيابية لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف) أن اليسار المتطرف احتجز المطالب الاجتماعية، وقدم جوردان بارديلا (رئيس حزب التجمع الوطني) التحركات باعتبارها ساحة لمحترفي الفوضى، وتظهر هنا معادلة انتخابية وهي تحميل اليسار مسؤولية التصعيد وتحميل الحكومة مسؤولية العجز وتقديم اليمين بوصفه صاحب القدرة على استعادة النظام، فهل تتحول هذه المعادلة إلى تعبئة ضد الأجانب، خصوصا العرب والأفارقة؟
رصدت لوموند قراءات إثنية للأحداث لدى ممثلين من اليمين المتطرف، وتوظيفا لصور العنف مقرونا بالدعوة إلى التصويت، هنا تبرز فرضية نقل النقاش من إخفاق المدرسة إلى الهوية والهجرة، أما السؤال عمن ارتكب التخريب فعليا، فتجيب عنه التحقيقات، وقد أفادت أسوشيتد برس، في تقريرها المنشور اليوم، بأن السلطات الفرنسية والشرطة لم تحملا المهاجرين مسؤولية الشغب.
هل ينجح هذا التحويل؟ تبدو فرصه قائمة وسريعة التأثير، لأن الخوف على المتجر أو المنزل يمنح الرسالة الأمنية قوة مباشرة، وعندما يجري دمج صور النهب بخطاب عن الهجرة، قد يصبح الأصل المفترض للمعتدي أهم من الأسباب التي أخرجت الطلاب، وكيف لو جرى ربط أزمة المدارس بالسارقين والمخربين، ثم تقديم هؤلاء جميعا بوصفهم أجانب؟ عندها يمكن أن تتحول التحركات من أزمة خدمات عامة داخلية إلى استنفار قومي وهوياتي، يدفع ثمنه مواطنون ومقيمون عرب وأفارقة عبر تعميم الشبهة عليهم، فيما تتراجع مطالب المدارس إلى الخلفية، ويكون اليمين المتطرف قد وجد في الموجة فرصة ثمينة.
وقد أضاف خطاب إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، مساء الثامن عشر من تشرين الأول، محطة جديدة إلى أزمة الثقة، إذ طالب بإدانة العنف ودعا إلى إشراك القوى السياسية والنقابية والمهنية عبر رئيس الحكومة، بينما تركزت انتقادات اليمين على قدرة الحكم على استعادة النظام، وانتقادات اليسار على الاستجابة الاجتماعية وأساليب الشرطة، وهكذا أصبح الخطاب نفسه جزءا من المواجهة حول معنى الحزم ومعنى الإصلاح.
قد تمهد الأزمة لتبديل السلطة عندما يترجم الغضب إلى أصوات وتحالفات، فالرئيس فيمانويل ماكرون يواجه اختبار الثقة بمشروعه السياسي، بينما اليسار يسعى إلى محاسبة الحكم اجتماعياً، واليمين يريد محاسبته أمنيا، وبين هذه المسارات، قد يوسع اليسار التعبئة ويحصد اليمين الخوف الناتج عن انحرافاتها، والسؤال الحاسم هنا، من سيختار الفرنسيون؟ هل من يصلح المدرسة؟ أم من يعيد الأمن والثقة؟ أم من يحول القلق إلى تفويض انتخابي بالحسم؟
