د.محمد سليمان فايد:حين فقدت أمي ورحلت عن الدنيا، شعرت أن البيت فقد قلبه، وأن شيئًا عميقًا في روحي قد انطفأ. كانت أمي مصدر الحنان والأمان، مهما قست علينا الحياة.
وحين فقدت أبي، شعرت أن السند الذي كنت أعود إليه كلما أثقلتني الأيام قد رحل، وأن ظهرًا طالما احتميت به لم يعد موجودًا. وكنت أظن أن فقدان الأم والأب هو أقسى ما يمكن أن يعيشه الإنسان،
لكنني، بعد رحيل أخي الأكبر رضا، اكتشفت وجعًا آخر لا يشبه أي وجع عرفته من قبل،فحين يموت الشقيق، لا يرحل شخص تحبه فقط، بل يرحل جزء من جسدك وقطعة من ذاكرتك،كأن سنوات طويلة من حياتك تُنتزع منك دفعة واحدة. فأنت لا تفقد أخًا عاش إلى جوارك فحسب، وإنما تفقد شاهدًا على طفولتك، ورفيقًا لكل المراحل التي صنعتك.
كان رضا أكبرنا، وأول فرحة لأبي وأمي، وأول فرحتنا نحن أيضًا، كنا تسعة أشقاء: ستة أولاد وثلاث بنات، عاش أبوانا حياتهما من أجلنا، وبذلا كل ما يستطيعان حتى يكبر أبناؤهما ويشقوا طريقهم في الحياة. وكان رضا أول أبنائهما، لذلك حمل من المسؤولية ما لم يكن ينبغي لشاب أن يحمله وحده. لم يكمل تعليمه، وعمل في إحدى الورش ليساعد أبي في تربيتنا، ويعينه على أعباء البيت، ويشارك في رعاية إخوته الصغار.
كان رضا أخًا، لكنه كان في أوقات كثيرة أبًا ثانيًا لنا. كان يشعر أن عليه مسؤولية حمايتنا ومتابعتنا، حتى في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها بقيت في ذاكرتنا سنوات طويلة.
كنت في طفولتي كثير الشقاوة، وكان رضا يذهب معنا إلى المدرسة باعتباره ولي أمرنا، ويتعهد للمدرسين بأننا سنلتزم. وكان يتفق معنا قبل الدخول: «لازم أضربكم قدام المدرسين». ثم ما إن نقف أمامهم حتى ينهمر علينا ضربًا بيديه وقدميه. وفي إحدى المرات، كان معي اثنان من زملاء الطفولة، وبعد أن تلقينا نصيبنا من الضرب، انفجر أحدهما في البكاء وقال له: «إيه يا عم رضا؟ ما اتفقناش على كده!».
كان سريع الغضب، لكنه كان أسرع إلى الابتسامة والضحك.
افتتح رضا ورشة لسمكرة السيارات أمام منزل جدي، وعمل معه معظم إخوتي. أما أنا، فكنت مشغولًا بالثقافة والسياسة وقصر الثقافة والنادي. وفي يوم أمسك بيدي وقال: «تعالى اتعلم حاجة تنفعك». رفضت، فضربني بشدة، وكان جدي يجلس أمام البيت. لا أعرف ماذا قال له جدي يومها، لكنه طلب منه أن يتركني وشأني.
ومرت السنوات، وعملت في الصحافة، وفي إحدى المرات، كنا في المستشفى لإجراء جراحة لأخي في العمود الفقري. شرح الأطباء لي تفاصيل العملية وطلبوا مني التوقيع. كانت حقيبتي على كتفي، فطلب رضا أن يأخذها مني، ووضعها على كتفه.
وبعد أن انتهيت من الحديث مع الأطباء، وجدته جالسًا في إحدى الزوايا يبكي. ظننت أنه يبكي خوفًا على أخيه، فإذا به يقول لي:«فاكر زمان وإنت صغير لما ضربتك؟ سيدك محمد، الله يرحمه، قال لي: بلاش تضربه، سيبه في حاله.. بكرة هتشيل له الشنطة».تذكّر رضا كلام جدي، ونظر إلى الحقيبة على كتفه، وانهمرت دموعه،احتضنته، وقبّلت يديه ورأسه، وقلت له: «إنت الكبير.. وأنا بحبك».
كنت أحبه فعلًا. أحببته لأنه الكبير، ولأنه أول فرحة في بيتنا، ولأنني كنت أعرف، كم عاش من عمره من أجلنا، وكم حمل من الهم والمسؤولية حتى نكبر نحن.
مرت أيام على رحيلك يا رضا، وما زلت لا أستوعب أنك لن تعود.
أتذكر مشوارنا الأخير، وانت ذاهب لأداء مناسك العمره،ذهبت اليك بالسيارة ورافقتك من القرية للذهاب المطار.. وكان لدينا متسع من الوقت بالقاهرة، أكلنا معًا، وتحدثنا طويلًا واستعدنا أشياء كثيرة من عمرنا. لم أكن أعرف أنها ستكون آخر ذكرياتنا.
كانت جنازتك ممتلئة عن آخرها بمن جاءوا ليودعوك،وكل من عرفك تحدث عنك بالخير،ربما هذه هي عزائي الوحيد،أنك عشت كريمًا، ورحلت محبوبًا،لكنني، يا أخي الكبير، ما زلت أفتقدك.
ومنذ رحيلك، صرت أفكر كثيرًا في معنى أن يفقد الإنسان شقيقه..أفكر في الذين يعيشون الفقد نفسه، لكن بصورة أشد قسوة، وفي عائلات فقدت أكثر من ابن، وأشقاء فقدوا أشقاءهم، وأطفال كبروا دون إخوة كانوا يظنون أنهم سيكبرون معهم.
أفكر في فلسطين.،في غزة، في لبنان،في كل بيت فلسطيني أو لبناني حمل صورة أخ غائب، أو أم فقدت أكثر من ابن، أو شقيق بقي حيًا يحمل في ذاكرته وجوه إخوته الذين رحلوا. أفكر في ذلك الجزء من الذاكرة الذي لا يمكن أن يعود، وفي المقاعد الفارغة حول مائدة كانت يومًا تجمع الأسرة، وفي أسماء لا يزال الأحياء ينادونها رغم أن أصحابها لن يجيبوا.
أنا فقدت أخًا واحدًا يا رضا، وما زلت أشعر أن جزءًا مني قد اقتُطع،فكيف بمن فقدوا إخوة وأبناء وآباء، أو فقدوا عائلات كاملة؟
ربما لهذا أصبح وجعي عليك أكثر فهمًا لوجعهم،رحمك الله يا رضا، يا أول فرحة أبي وأمي، ويا أخي الكبير، ويا جزءًا من طفولتي وذاكرتي.


