لم تعد أزمة النفط المرتبطة بالحرب الأمريكية ـ الإيرانية واضطراب الملاحة في مضيق هرمز مجرد أزمة في أسواق الطاقة، بعدما تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، وقفز خلال تعاملات 14 سبتمبر/أيلول إلى نحو 108.65 دولار. لكن الخطر الأكبر قد لا يتوقف عند هرمز؛ فماذا يحدث إذا امتدت الاضطرابات إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط أسواق الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا؟
تتحرك أسعار النفط وفق معادلة العرض والطلب، ولذلك فإن أي تعطيل واسع للإمدادات أو طرق نقلها يضيف علاوة مخاطر إلى الأسعار. وتشير التقديرات الواردة في المعطيات إلى أن نحو 25 إلى 30% من تجارة النفط العالمية، ونحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال، تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب واسع فيه مصدرًا مباشرًا للقلق في الأسواق.
وتراجعت حركة شحن النفط عبر هرمز إلى أقل من مليوني برميل يوميًا، بعدما تراوحت التدفقات قبل 30 أغسطس/آب بين 8 و9 ملايين برميل يوميًا. ومع استمرار الأزمة، ارتفع خام برنت بأكثر من 70% منذ بداية العام، بعدما تجاوز خلال ذروة الاضطرابات 126 دولارًا للبرميل في أبريل/نيسان.
لكن إغلاق باب المندب أو تعطيل الملاحة فيه لفترة طويلة سيضيف أزمة جديدة إلى أزمة هرمز. فالمضيق يمثل بوابة رئيسية لحركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب واسع سيجبر شركات الشحن على تغيير مساراتها، ما يعني رحلات أطول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل.
وتزداد المخاطر إذا تزامن ذلك مع استمرار اضطراب هرمز وتعطل خط أنابيب النفط السعودي شرق ـ غرب، الذي يوفر للسعودية طريقًا بديلًا لتصدير النفط بعيدًا عن المضيق. وتشير المعطيات إلى أن الخط يمكنه إعادة توجيه ما يعادل نحو 4% من الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعل تعطله عاملًا إضافيًا في تضييق هامش المناورة أمام الأسواق.
ولا يتوقف أثر النفط عند محطات الوقود. فالطاقة تدخل في مختلف مراحل إنتاج الغذاء، من تشغيل الجرارات والحصادات ومضخات الري، إلى نقل المحاصيل وتصنيع الأسمدة والتبريد والتخزين. وبلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة نحو 6.06 دولارات للغالون، بزيادة تقارب 60% منذ اندلاع الحرب، بينما وصل البنزين إلى نحو 4.30 دولارات للغالون.
وفي أغسطس وحده، ارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة «فاو» لأسعار الغذاء بنسبة 1.9%، في إشارة إلى الضغوط التي تواجه الأسواق الغذائية. ومع ارتفاع أسعار الوقود والغاز، ترتفع كذلك تكلفة الأسمدة، ولا سيما الأسمدة المرتبطة بإنتاج الأمونيا، التي يعتمد تصنيعها بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي.
وتبدو الدول النامية والأكثر هشاشة في مقدمة المتضررين من هذه الصدمة. فالدول المستوردة للطاقة تواجه فاتورة أكبر لاستيراد الوقود والغذاء والأسمدة، بينما تتعرض العملات والاحتياطيات والموازنات العامة لضغوط إضافية، في وقت تعاني فيه دول كثيرة أصلًا من التضخم والديون وضعف القدرة على مواجهة أزمات جديدة.
أما السيناريو الأكثر قسوة، فيتمثل في استمرار الحرب واضطراب هرمز وباب المندب معًا، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى 120 دولارًا للبرميل أو أكثر، فيما تذهب بعض التقديرات إلى احتمال بلوغها 150 دولارًا إذا طال أمد الأزمة واتسعت رقعة اضطراب الإمدادات.
وعندها لن تكون الأزمة مجرد ارتفاع في سعر برميل النفط، بل موجة تضخمية تمتد إلى الغذاء والنقل والطاقة والأسمدة والسلع الأساسية، لتصبح الدول الفقيرة والأكثر اعتمادًا على الواردات الحلقة الأضعف في أزمة عالمية جديدة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع الاقتصاد العالمي، والدول النامية خصوصًا، تحمل صدمة نفطية جديدة إذا أُغلق باب المندب بينما يستمر اضطراب هرمز والحرب؟
