لم يعد الفضاء الخارجي مجالًا للبحث العلمي والاستكشاف فقط، بل تحول تدريجيًا إلى ساحة جديدة للتنافس العسكري والاقتصادي بين القوى الكبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا. ومع التطور المتسارع في الأقمار الصناعية وأنظمة الاتصالات والملاحة والاستطلاع والإنذار المبكر، أصبحت السيطرة على الفضاء جزءًا متزايد الأهمية من القدرة على إدارة الحروب وحماية الاقتصاد والبنية التحتية الحيوية.
وفي سبتمبر 2026، أعلنت الولايات المتحدة للمرة الأولى بشكل صريح امتلاكها أسلحة منشورة في المدار، عندما قال وزير سلاح الجو الأميركي تروي مينك إن واشنطن تمتلك «أسلحة للسيطرة على الفضاء في المدار» قادرة على حماية القوات الأميركية من أعمال الخصوم المعادية، من دون الكشف عن طبيعة هذه الأسلحة أو قدراتها. وأثار الإعلان ردًا صينيًا حذر من أن عسكرة الفضاء قد تدفع إلى سباق تسلح جديد.
ويأتي هذا التطور في وقت تتسع فيه الفجوة المالية والعسكرية التي تنفقها القوى الكبرى على أدوات القوة التقليدية والفضائية. ووفق أحدث البيانات المقارنة المتاحة من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي في 2025 نحو 2.887 تريليون دولار، منها نحو 954 مليار دولار للولايات المتحدة، و336 مليارًا للصين، و190 مليارًا لروسيا، أي أن الدول الثلاث استحوذت مجتمعة على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي تقريبًا.
ولا يمكن فصل هذا السباق عن الحروب الدائرة على الأرض. فالصراع العسكري الأميركي ضد إيران خلال 2026 كشف حجم الاستنزاف الذي يمكن أن تفرضه الحرب الحديثة على الترسانات الدفاعية، خصوصًا الصواريخ وأنظمة اعتراض الصواريخ. وقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي تكلفة وزارة الدفاع للعمليات ضد إيران بنحو 38.1 مليار دولار حتى الأول من أغسطس 2026، مع تكلفة إضافية تقدر بنحو ملياري دولار شهريًا إذا استمر الصراع بمستويات منخفضة، وقد تصل إلى نحو 3 مليارات دولار شهريًا عند مستويات العمليات التي شهدها يوليو.
الأكثر دلالة أن مكتب الميزانية الأميركي قدّر تكلفة إعادة تكوين الذخائر التي استُهلكت حتى الأول من أغسطس بنحو 21.7 مليار دولار، بينها 13.1 مليار دولار لصواريخ اعتراض الدفاع الجوي والصاروخي، و7.3 مليار دولار لصواريخ كروز الهجومية، و1.2 مليار دولار لأنواع أخرى من الذخائر. كما أشار إلى أن الولايات المتحدة استخدمت نسبة كبيرة من مخزونات بعض صواريخ الاعتراض، وأن إعادة بناء بعض هذه المخزونات قد تستغرق خمس سنوات على الأقل.
وفي المقابل، تواصل روسيا تمويل حربها في أوكرانيا مع الحفاظ على مستوى مرتفع من الإنفاق العسكري. وتظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن التمويل الروسي للحرب والإنفاق العسكري بلغ نحو 16 تريليون روبل في 2025، بما يعادل 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما خُطط لنحو 14.9 تريليون روبل للإنفاق العسكري في موازنة 2026، بما يعادل 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن سباق القوة لا يجري على الأرض وحدها. فالولايات المتحدة والصين وروسيا تعمل منذ سنوات على تطوير قدرات يمكن أن تؤثر في الأقمار الصناعية أو تعطل الاتصالات والملاحة والاستطلاع، من خلال الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية، والتشويش الإلكتروني، والهجمات السيبرانية، والليزر، والأقمار القادرة على المناورة والاقتراب من أقمار أخرى.
وتزداد خطورة هذه المنافسة مع اتساع الاقتصاد الفضائي نفسه. فقد قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الإيرادات المرتبطة بالفضاء عالميًا تراوحت بين 550 و600 مليار دولار خلال 2025، بينما تجاوز عدد الأقمار الصناعية العاملة 14 ألف قمر بنهاية العام، واقترب من 15 ألفًا بحلول منتصف 2026. وتشير المنظمة إلى أن الأنظمة الفضائية تدعم أكثر من نصف البنى التحتية والخدمات الحيوية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيما تصل مساهمة الخدمات المعتمدة على الأقمار الصناعية إلى نحو 18% من الناتج المحلي في بعض الاقتصادات المتقدمة.
وهنا تتجاوز تداعيات الصراع حدود الدول الكبرى. فتعطيل الأقمار الصناعية لا يعني فقط إرباك العمليات العسكرية، وإنما قد ينعكس على الاتصالات، والملاحة الجوية والبحرية، والخدمات المالية، وسلاسل الإمداد، والتنبؤ بالطقس، وإدارة الكوارث، والزراعة والطاقة. وتصبح الدول النامية والأفقر، التي تعتمد بدرجة أكبر على الخدمات الفضائية والتكنولوجيات التي توفرها القوى الكبرى، عرضة لتداعيات لا تملك أدوات كافية للتحكم فيها.
كما أن زيادة عدد الأقمار الصناعية تخلق مشكلة أخرى تتمثل في الحطام الفضائي. وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وجود نحو 45,860 جسمًا من الحطام الفضائي تتم متابعته بصورة منتظمة، إلى جانب أكثر من 140 مليون جسم أصغر يمكن أن يشكل خطرًا على المركبات والأقمار الصناعية.
وبذلك، لم يعد السؤال متعلقًا بمن يمتلك الصاروخ الأقوى فقط، وإنما بمن يستطيع حماية شبكاته الفضائية ومنظومات اتصالاته ومعلوماته، وفي الوقت نفسه تعطيل قدرات خصمه من دون التسبب في انهيار أوسع للبنية الفضائية العالمية.
وتظل معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 إطارًا أساسيًا لتنظيم النشاط في الفضاء، لكنها لا تحظر جميع أنواع الأسلحة التقليدية أو القدرات المضادة للأقمار الصناعية. ومع دخول أسلحة السيطرة على المدار إلى الخطاب العسكري الأميركي بصورة معلنة، وتصاعد المنافسة بين واشنطن وبكين وموسكو، تبدو الحدود بين الاستخدام الدفاعي والهجومي للفضاء أكثر تعقيدًا.
وبينما أثبتت حرب روسيا وأوكرانيا أهمية الأقمار الصناعية والاتصالات الفضائية في إدارة العمليات العسكرية، أظهرت المواجهة الأميركية مع إيران خلال 2026 حجم الموارد التي تحتاجها الحروب الحديثة لحماية القوات والمنظومات الدفاعية وتعويض الذخائر المستهلكة. وفي الحالتين، يبدو أن الفضاء لم يعد بعيدًا عن ساحات الصراع، بل أصبح جزءًا من منظومة القوة العسكرية والاقتصادية التي ستحدد شكل المنافسة الدولية خلال السنوات المقبلة.
