سامي كليب: هل دخل العراق فعلاً مرحلة نزع سلاح الفصائل المسلحة؟ أم أن ما يجري ليس سوى إعادة تنظيم للخريطة العسكرية والسياسية، تحت ضغط داخلي وإقليمي ولكن ايضا بسبب الضغوط الاميركية ؟
حكومة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي وضعت منذ تشكيلها قضية حصر السلاح بيد الدولة في صدارة أولوياتها…المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة أكد أن هذا التوجه قرار سيادي عراقي خالص ، وأنه يحظى، وفق تعبيره، بتأييد شعبي ومرجعي، فيما أكد المجلس الوزاري للأمن الوطني ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومحاسبة كل من يهدد الأمن والاستقرار
لكن خلف هذا الموقف المتقدم لحكومة الزيدي وخلف حسن النوايابالتأسيس الفعلي لدولة القانون، لا تبدو قضية السلاح بهذه السهولة، ولعلها الى حد ما تقترب مما هي الحال في لُبنان بحيث ان هذا السلاح لم يعد قضية محليّة فحسب بل هو جزء مفصلي مما وصف يوما بوحدة الساحات وهو بالتالي مرتبط عضويا بالصرع الاميركي الايراني.
ثم هناك مشكلة تعدد السلاح في العراق، فحكومة الزيدي لا تتعامل مع تنظيم مسلح واحد، ولا حتى مع مؤسسة واحدة متجانسة. قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 ينص صراحة على أن الهيئة جزء من القوات المسلحة العراقية وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، وأن منتسبيها يخضعون للقوانين العسكرية، كما يشترط فك ارتباطهم بالأطر السياسية والحزبية. لذلك فإن النقاش الحالي ليس قانونياً حول وجود الحشد نفسه بقدر ما يتعلق بالسؤال الأصعب: هل تخضع جميع الألوية والفصائل فعلاً لسلسلة قيادة الدولة؟ وهل توجد أسلحة وقرارات عملياتية وشبكات مالية وسياسية خارج تلك السلسلة؟
لعل هذا بالضبط ما يفسر تباين المواقف بين حاملي السلاح في العراق، فعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي اتجهت إلى تأييد حصر السلاح وبدأت إجراءات لفك الارتباط بين بنيتها الحزبية وتشكيلاتها داخل الحشد، وكذلك أعلنت كتائب الإمام علي توجهاً مشابهاً. وكذلك السيد مقتدى الصدر، فقد دفع باتجاه انتقال سرايا السلام إلى مؤسسات الدولة، ودعا الفصائل الأخرى إلى خطوة مماثلة. ورحب رئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم بهذه المواقف.
لكن في مقابل هذه المرونة، ظهر تشدد عند أطراف اخرى،فكتائب حزب الله وحركة النجباء وفصائل أخرى اعربت عن رفضً واضحً لتسليم السلاح في الظروف الراهنة. وذهبت كتائب حزب الله الى ربط ذلك بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي ووقف ما تعتبره اعتداءات خارجية، وقال أكرم الكعبي ان هذا السلاح سلاح خط أحمر
أما سياسياً، فالجانب التشريعي يلقي بثقله على مشهد السلاح، ذلك ان انتخابات العام الماضي أبقت الإطار التنسيقي بمجموع قواه الكتلة الشيعية الأوسع تأثيراً في عملية تشكيل الحكومة. وهو الإطار نفسه الذي رشح علي الزيدي لرئاسة الوزراء. وبالتالي، فإن رئيس الحكومة لا يعمل من خارج النظام الذي أنتج نفوذ هذه القوى، وإنما يحاول إعادة صياغة قواعده من الداخل.
والى هذه التعقيدات الداخلية، فإن العامل الخارجي يلقي بكل ثقله على المشهد العراقي وسط الصدام المحتدم بين الولايات المتحدة الاميركية وإيران، لذلك فإن حكومة الزيدي الراغبة بحصر السلاح، تريد تفكيك كل القنابل في هذا الطريق والاحتفاظ بعلاقات متوازنة داخلية وخارجيةوابعاد العراق عن الصراع الدائر حوله، وهو لذلك كرر أكثر من مرة انه يرفض استخدام العراق للاعتداء على دول اخرى خصوصا بعد ان بادرت السعودية واميركا الى قصف مقار للحشد الشعبي ردا على ما اعتبرته اعتداءات عليها .
أنها إذا معركة حول من يملك قرار الحرب والسلم في العراق، ومن يملك المال والشرعية وسلسلة القيادة، ومعركة سعي الدولة لاستيعاب القوى المسلحة ، وهكذا فبين واشنطن التي تريد إنهاء قدرة الفصائل على العمل المستقل، وإيران التي بنت خلال عقدين شبكة نفوذ عسكرية وسياسية واسعة، وحكومة عراقية تقول إن قرارها عراقي خالص، يبقى السؤال الكبير:
هل ينجح رئيس الحكومة علي فالح الزيد حيث فشل غيره، أم ان سلاح العراق كما السلاح في لبنان واليمن وغيرهما مرتبط عضويا بافق الحرب او الصفقة الكبرى بين أميركا وإيران؟
