أيمن مرابط – الرباط
داخل قاعة هادئة بالمعهد الثقافي الفرنسي في الرباط، ووسط أجواء اتسمت بحرارة الطقس نسبيا، ولم يكن ما يُلطّف هذا الجو سوى جلسة أدبية وتاريخية حول تاريخ الرواية المغربية المكتوبة بالعربية وتطورها، أدارتها الأكاديمية الفرنسية زوي كارل القادمة من جامعة باريس الثامنة، وسط حضور لافت لأدباء ونقاد وصحفيين مغاربة وأجانب.
اللقاء الذي نظم من طرف مركز جاك بيرك واحتضنه المعهد الثقافي الفرنسي يوم أمس الخميس، شكّل فرصة مهمة للتعرف على مسار تشكل الرواية المغربية المكتوبة بالعربية، وذلك من خلال دراسة بحثية تناولت الجوانب التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي لعبت دورا كبيرا في مسار الصناعة الأدبية والروائية المغربية.

زوي كارل أستاذة الأدب المقارن وتحليل الخطاب والمتخصصة في الأدب المغربي والعربي، والتي تتقن اللغة العربية يوما بعد آخر منذ مقامها في المغرب قبل سنة، خصّصت عرضها البحثي في سبر أغوار بدايات تشكل الرواية المغربية المكتوبة بالعربية، وفي كشف المؤثرات والعوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في تطور الأنماط الروائية المغربية.
وذكرت الباحثة أن الأهمية التاريخية للإنتاج الأدبي باللغة العربية تقع تاريخيا في المشرق، وتم تطوير الأدب المغربي بالعربية من خلال التوجه نحو أماكن المشرق، خاصة بيروت والقاهرة، مضيفة أنّه كانت هناك العديد من الرحلات لنخب فكرية مغربية، ومستدلة بالروائي محمد برادة الذي درس بالقاهرة وحصل على الإجازة من جامعتها سنة 1960.
وأوضحت زوي في حديثها أن الرواية المغربية باللغة العربية كان إنتاجها مستوحى إلى حد كبير من الأدب المصري واللبناني، مشيرة إلى وجود شكل من أشكال الهيمنة المزدوجة لما أسمه ب “الأخ الأكبر المشرق والأخ الآخر الغربي في باريس”.
البدايات الأولى للرواية
تعود الدراسة البحثية إلى الوراء، بالحديث عن رواية “الزاوية” للأديب التهامي الوزاني، والتي صدرت سنة 1942، وتعد أول رواية بالعربية في المغرب، كما أنها سيرة ذاتية أدبية، تتحدث عن الزاوية وعالم التصوف، كما لم يفتها الحديث عن العمل البارز “دفنّا الماضي” للأديب والسياسي البارز عبد الكريم غلاب والصادرة سنة 1966، مُوضحّة بأن في فترة الستينيات والسبعينيات شهدت اهتمام الأدب المغربي بالمواضيع السياسية والاجتماعية.
ولفتت أستاذة الأدب المقارن بباريس إلى أن المدارس المشرقية السورية واللبنانية بشكل خاص كان لها وزن كبير في تشكيل الذوق والكتابة المغربية، إلى حين بداية ما وصفته ب “الاستقلالية والتحرر” نوعا ما، بصدور رواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري، مردفة بأنّها “تمثل طليعة المدرسة المغربية في السرد القصصي”.
تشكل المدرسة المغربية في السرد
وبالحديث عن محمد شكري، لم يفت الباحثة الفرنسية الحديث عن الأديبين المغربيين محمد زفزاف وإدريس الخوري، وقالت إن “الثلاثة لهم جوانب مشتركة، أبرزها خلفياتهم الاجتماعية من “الطبقة العاملة”، وأنّهم كتبوا نصوصا ولّدت بالفعل مدرسة سردية مغربية، تجاوزت عدة مواضيع سابقة وابتكرت أنواعا أخرى من التجريب.
علاوة على ذلك، تذكر المحاضرة أن فترات من السبعينيات وحتى التسعينيات من القرن الماضي، شهدت غزارة أدبية في إنتاج ما يصطلح عليه ب “أدب السجون”، رغم أن زمن “سنوات الرصاص” أبطأ الإنتاج الأدبي في المغرب، لكنّ هذا الأدب انتشر فيما بعد بشكل كبير.
تأثير الجوائز على الصناعة الأدبية
وتنتقل الدراسة البحثية من السرد التاريخي للرواية المغربية، إلى رصد التطور الكبير الذي عرفه الأدب المغربي مع بروز الجوائز الدولية للرواية العربية، حيث ساهم هذا الأمر في تغير ظروف الإنتاج، وارتباط القضايا المادية بالكتابة وبالكاتب الروائي.
وأردفت زوي في دراستها بأن الجوائز الأدبية التي تركزت في دول الخليج العربي، لها تأثير بارز في تعزيز الرواية المغربية، وساهمت في ظهور أسماء روائية جديدة، وأنماط إبداعية متنوعة، ليس فقط في المغرب بل في كامل جغرافيا البلدان العربية.
مفاجآت الروائيين المغاربة
التحول الأكبر الذي رصدته الباحثة كارل زوي في دراستها هو في صدور رواية “نوميديا” للكاتب المغربي طارق بكاري، واصفة إياها ب “الصدمة لدى الروائيين الشباب”، حيث تمكن الكاتب من كسر حواجز عدة، وهي عمل أدبي فاز بجائزة المغرب للكتاب ووصل للقائمة القصيرة للبوكر 2016.
وتضيف زوي أن رواية نوميديا كانت بمثابة “قوة دافعة تمثل الجيل الشاب”، وتستند إلى إطار ثقافي وجغرافي واجتماعي هو مغربي الخصوصية، ومنشور من قبل دار نشر “دار الآداب” اللبنانية وذات الصيت الذائع في العالم العربي بأكمله.
وبالحديث عن الخصوصية المغربية، لم يفت المتحدثة ذاتها ذكر رواية “المغاربة” للروائي عبد الكريم جويطي الصادرة عن المركز الثقافي العربي والفائزة بجائزة المغرب للكتاب سنة 2017، وهي تشكل وفق تصور الباحثة “إعادة استكشاف روائية للتاريخ الحديث، وركيزة في الجغرافيات المغربية خاصة غير الحضرية منها”.
عبد المجيد سباطة.. تجربة مهندس روائي
وعزّزت زوي كارل دراستها البحثية للأدب المغربي، بالحديث عن التجربة الروائية للكاتب عبد المجيد سباطة صاحب رواية “الملف 42” ورواية “في متاهات الأستاذ ف.ن”، مفيدة بأن العمل الأول “الملف 42” هو عمل سردي معقد وله خيوط سردية متعددة ستجد بعضها البعض في النهاية، ويتحدّث عن “حلقة تاريخية تبدو مفقودة” لكن القارئ يجدها بين صفحات الرواية، وهو نفس النمط الذي اعتمده بشكل أكثر حبكة وجرأة في العمل الأخير له بعنوان “في متاهات الأستاذ…”
وأضافت ذات المتحدثة أن عبد المجيد سباطة يعد من المؤلفين القلائل الذي يتميزون بشكل خاص بتنويع التجارب الشكلية والسردية ومضاعفة الخيوط وتشبيكها داخل أعمالهم الروائية، مشيرة إلى خلفيته الهندسية كونه دارس سابق لتخصص الهندسة المدنية في وقت سابق من مساره الدراسي.
الرواية أداة لاكتشاف التاريخ
وعرّجت الأكاديمية كارل زوي في محاضرتها إلى أعمال الروائية الشابة كريمة أحداد، مفيدة أن الروائية أحداد تشكل حالة استثنائية في الأدب النسائي المغربي، ولها خط روائي جديد في الساحة الأدبية المغربية.
وفي ختام حديثها، لفتت زوي إلى أنّه ثمة حوار حقيقي بين الأدب المغربي المعاصر والأدب العالمي، وأنّ الرواية تبقى أداة لإعادة استكشاف التاريخ وأداة للتساؤل عن النقاط العمياء في التاريخ التي لا تكون واضحة في فترات معيّنة، كما اعتذرت للحضور عن عدم إحاطتها لعدد من الأعمال الروائية المغربية في دراستها البحثية المعمقة.
