لم يتعرّض وطنٌ للتدمير والذبح من قبل ساسته ومعظم أحزابه ومنظماته ومافياته السياسية الماليّة كما تعرّض لُبنان، ولم يحتفظ وطنٌ بسرّ جماله وسحر طبيعته وجودة خدماته كلبنان، حتّى لتكاد تشعر بأنَّ الخالق حباه بكل هذا الجمال كي يُظهر قُبح من تولَّوا قيادته أو تلاعبوا بشعبه بشعاراتٍ برّاقة وتصرّفات مدمّرة.
كيف لا تشعر بذلك وأنت تتناول قهوتك الصباحية في أحد مطاعم أو مقاهي بيروت، ترافقُها ابتسامةُ النادل، وترحيب المدير، ونظافة المكان وكرَم الضيافة؟ كيف لا تشعر بذلك ومديرة صالون المسافرين في مطار العاصمة السيدة سُكنه خلف تستقبلك بكل لياقة ولباقة موروث الضيافة اللُبنانية، فتغطّي برونق حضورها وعمق ثقافتها وصدق ترحيبها ولغاتها المتعدّدة، على تواضع مطارِنا الذي تخطّته معظم المطارات العربيّة بالمساحة والفخامة لكنه بقي ذا رونق خاص لا يُشبه مثيلاً.
كيف لا تشعر بذلك حين يستقبلك ذاك الطبيب الإنساني ذو الخبرة العريقة البروفسور سمير علم في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، الذي بقي في لُبنان رغم كل أهوال الحروب وتصارع الميليشيات منذ عقود طويلة وهجمات امراء الحروب، لأنه آمن بُلبنان منارة للعلم والطب، وتربّع على عرش الجسم الطبّي وقسم جراحة وأمراض القلب في ذاك المستشفى الذي له على كل وطن عربيّ جميل. د سمير علم القادم من رميش الجنوبية صدم في لبنانِه الذي أحبّ، بقي هناك في الطابق الرابع لمستشفى الجامعة الأميركية يحفظُ مع زملائه سرّ الوطن ويحافظ على أخلاق وحرفية ومهنة الطب التي كادت حروب الاشقاء في الداخل وأشقاء وأعداء الخارج على أرضننا تُفقدُها خيرة اطبائها. مع العلم أن المستشفى لا يبتغي الربح، ولعل ميزانيته ضعيفة حاليًّا لكنه يخصص كل ما يجنيه من مال للأبحاث وليس لتجارة الطب.
كيف لا تشعر بسعادة تغمرك وانت تسمع من أحد مسؤولي الجامعة الأميركية هشام أبو وادي الذي يستقبلك بابتسامة تختصر تاريخ الضيافة في لبنان وبحرفية أهلا الاختصاص الحقيقيين شارحًا لك أن معظم الأطباء الذين غادروا لبنان قبل سنوات عادوا إليه، وتلتقي هناك بالدكتور الصامد منذ عقود النائب عبد الرحمن البزري حاملا بنصف قلبه هموم مرضاه وبنصفه الآخر هموم السياسة والوطن، والدكتورة زينة كرباني والدكتورة منى نصرالله اللتين حصلّتا علمًا عالي المستوى للعودة الى لبنان او البقاء فيه والسهر على رفع مستوى المهنة والحفاظ على لبنان منارة للطب، ثم يأتيك الدكتور حسين درويش جرّاح الرأس والاعصاب الذي لا يوازي عبقرية يديه سوى تواضعه الجمّ وهو يشرح لكل مريض تفاصيل عمليته بانسانية تُبعدنا عن تجارة الطب التي راجت في الكثير من أرجائنا العربية وتعيدُنا الى أصل الانسانيّة في المهنة. وهناك بين المرضى والحاملين الأمل في قلوبهم تجد أحد كبار الموظفين علي عسّاف تاركًا مكتبه الأنيق المُطل على بيروت لينزل الى كل الطوابق يتابع شؤون المرضى ويشرف على الممرضات والممرضين ،ويمضي ساعات لتسريع فحوصات المرضى وتخفيض وقت الانتظار كأنه واحد من أهلهم.
هو لُبنانُنا الذي علينا أن نفخر بطبيعته الساحرة التي تُفاجئك في كل فصل بما هو أجمل، وبمستواه العلمي الرائد رغم سنوات الحروب الطويلة، وبحريّته التي لا مثيل لها حتّى ولو تفلّتت في بعض المرّات من ضوابطها، وبخدماته الاستثنائية التي طالما سحرت السيّاح من كل بقاع الأرض، وبأناقة ولطافة ناسه وثقافتهم العالية والمتعدّدة، وبذاك السرّ الذي لا يعرف غير الله أسبابه والذي يجعلك تشعر بدفء الوطن، وبإحساس عميق ساحر تعجز عن تفسيره كلما جاورت شجرة عتيقة في الجبل أو سمعت خرير ماء نهر ، أو تأملت زرقة البحر، أو نظرت صوب السماء، أو سمعت ضحكات الناس الصادقة من فوق الجروح والألم…
كل ما يحتاجه منّا لُبنانُنا هو أن نؤمن به ونحبّه كما أحبّنا.
ملاحظة: في السورة، السيدة سكنه خلف مديرة صالونات مطار بيروت، والبروفسور سمير علم.