تشهد العلاقات المصرية الإريترية خلال العامين الأخيرين زخماً سياسياً واقتصادياً متصاعداً، يعكس إدراك البلدين لأهمية التنسيق المشترك في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة والتحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة. وجاءت زيارة وزير الخارجية والهجرة والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير النقل الفريق كامل الوزير إلى العاصمة الإريترية أسمرة، اليوم السبت، لتؤكد انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة التنسيق السياسي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

وخلال الزيارة، انعقد منتدى الأعمال المصري–الإريتري بمشاركة واسعة من رجال الأعمال والشركات من الجانبين، في خطوة تعكس اهتمام القاهرة وأسمرة بتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، والبناء على ما تحقق من تفاهمات خلال الأشهر الماضية.
وأكد الوزير بدر عبد العاطي أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي ترتكز على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري مع إريتريا، خاصة في قطاعات النقل، والتعدين، والصناعات الدوائية، والثروة السمكية، والإنشاءات، والخدمات اللوجستية.
كما شهدت الزيارة توقيع اتفاقية للتعاون في مجال النقل البحري بحضور الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وهي خطوة تحمل دلالات اقتصادية واستراتيجية مهمة، إذ تستهدف تعزيز الربط اللوجستي بين الموانئ المصرية والإريترية عبر البحر الأحمر، بما يدعم حركة التجارة والاستثمار، ويفتح المجال أمام تدشين خط ملاحي مباشر بين البلدين، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على زيادة معدلات التبادل التجاري ورفع كفاءة حركة الصادرات المصرية نحو أسواق شرق أفريقيا.

ورغم أن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال محدوداً مقارنة بإمكاناتهما، فإنه شهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الماضية. ووفق بيانات جهاز التمثيل التجاري المصري، بلغ حجم التبادل التجاري نحو 119 مليون دولار عام 2018 مقابل 104.8 ملايين دولار عام 2017، بينما سجلت الصادرات المصرية نحو 117 مليون دولار، في مقابل واردات إريترية تجاوزت مليوني دولار بقليل. وتشير التقديرات إلى أن السلع المصرية تحظى بحضور قوي في السوق الإريترية، حيث تصل نسبتها أحياناً إلى 60% من إجمالي السلع المتداولة في بعض القطاعات.
وتراهن القاهرة على توسيع حضور شركاتها داخل السوق الإريترية، خاصة في مجالات التعدين والطاقة والبنية التحتية والزراعة والدواء، مستفيدة من الموقع الجغرافي لإريتريا المطل على البحر الأحمر، ومن الثروات المعدنية التي تمتلكها، وعلى رأسها الذهب والنحاس والزنك والبوتاس.
كما تسعى مصر إلى دعم برامج التدريب وبناء القدرات ونقل الخبرات الفنية، في إطار رؤية أشمل لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.
سياسياً، تتسم العلاقات المصرية الإريترية بدرجة عالية من التنسيق حيال قضايا القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وخلال لقاء اليوم مع الرئيس أسياس أفورقي، شدد الوزير بدر عبد العاطي على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، مع رفض أي ترتيبات أو تدخلات من أطراف غير مطلة على البحر. كما ناقش الجانبان تطورات الأوضاع في السودان والصومال، وأكدا أهمية الحفاظ على وحدة الدول الوطنية ودعم مؤسساتها الرسمية.
ويأتي هذا التنسيق امتداداً للقمة الثلاثية المصرية–الإريترية–الصومالية التي عقدت في أسمرة في أكتوبر 2024، والتي أرست إطاراً للتعاون السياسي والأمني بين الدول الثلاث، خاصة فيما يتعلق بدعم استقرار الصومال، وتأمين البحر الأحمر، والتعامل مع تداعيات الأزمة السودانية.
وتبدو القاهرة حريصة على ترسيخ شراكة طويلة الأمد مع أسمرة، ليس فقط باعتبار إريتريا دولة مطلة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وإنما أيضاً باعتبارها شريكاً أساسياً في معادلة الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي. وفي المقابل، ترى إريتريا في مصر قوة إقليمية قادرة على دعم خطط التنمية وتعزيز الاستقرار في منطقة تعاني من أزمات ممتدة.
وبين الاقتصاد والسياسة والأمن، تبدو العلاقات المصرية الإريترية اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية تتجاوز حدود المصالح الثنائية، لتشمل إعادة تشكيل توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
