في زمنٍ بات فيه العالم يتعامل مع الأخبار الصحية بحذرٍ مضاعف منذ جائحة COVID-19، لم يحتج اسم “فيروس هانتا” إلى أكثر من بضعة أيام ليعود إلى العناوين الرئيسية، بعد تسجيل وفيات وإصابات غامضة على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي، في حادثة أعادت إلى الأذهان بدايات مشاهد لم ينسها العالم بعد.
السفينة التي كانت تعبر المياه الباردة جنوب المحيط الأطلسي تحوّلت فجأة من رحلة استكشافية هادئة إلى بؤرة استنفار صحي، بعدما ظهرت أعراض حادة على عدد من الركاب وأفراد الطاقم، قبل أن تؤكد الفحوص ارتباط الحالات بفيروس هانتا، ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى التدخل ومتابعة الملف عن كثب.
ورغم أن الأرقام المسجّلة حتى الآن ما تزال محدودة، فإن القلق لم يكن نابعاً من عدد الإصابات بقدر ما ارتبط باسم الفيروس نفسه؛ ذلك الاسم الذي يحمل في الأوساط الطبية سمعة ثقيلة بسبب نسب الوفيات المرتفعة التي قد يسببها، وسرعة تدهور الحالات في بعض الأحيان.
كيف بدأت القصة الأخيرة؟
القصة بدأت مع ظهور أعراض شبيهة بالإنفلونزا على بعض ركاب السفينة السياحية “MV Hondius”، قبل أن تتطور بسرعة لدى عدد منهم إلى مضاعفات تنفسية حادة. وبعد سلسلة من الفحوص، تبيّن أن بعض الحالات مرتبطة بفيروس هانتا، وتحديداً بسلالة تُعرف باسم “فيروس الأنديز”، وهي من السلالات النادرة التي سبق أن أظهرت قدرة محدودة على الانتقال بين البشر في ظروف ضيقة جداً.
وسرعان ما أثارت الحادثة اهتماماً عالمياً، ليس فقط بسبب الوفيات المسجلة، بل لأن المشهد بدا مألوفاً للبشرية التي ما تزال تحمل ذاكرة ثقيلة من سنوات الوباء: سفينة، إصابات غامضة، حجر صحي، وتحذيرات صحية دولية.
إلا أن الخبراء شددوا سريعاً على أن المقارنة مع كوفيد-19 لا تزال بعيدة علمياً، وأن طبيعة فيروس هانتا تختلف جذرياً عن الفيروسات التنفسية واسعة الانتشار.
فيروس قديم… لكنه لا يزال غامضاً
Hantavirus Infection ليس فيروساً حديث الولادة كما يعتقد البعض، بل هو عائلة من الفيروسات المعروفة منذ عقود، وترتبط أساساً بالقوارض البرية التي تشكل الخزان الطبيعي له.
وقد ظهر اسمه عالمياً للمرة الأولى خلال الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، حين أصيب آلاف الجنود بحمى غامضة ترافقت مع نزيف وفشل كلوي. ومنذ ذلك الحين، بدأ العلماء باكتشاف سلالات متعددة منه في آسيا والأميركيتين وأوروبا.
ويكمن أحد أكثر جوانب الفيروس إثارة للقلق في أن القوارض الحاملة له لا تبدو مريضة، ما يجعل انتشاره في البيئات الطبيعية أكثر صعوبة في الرصد.
كيف ينتقل إلى الإنسان؟
بعكس الفيروسات التي تنتقل بالمصافحة أو الرذاذ اليومي، يعتمد هانتا على طريقٍ أكثر هدوءاً وخطورة في آن واحد.
فالإنسان يُصاب عادة عند استنشاق جزيئات دقيقة ملوثة ببول أو لعاب أو فضلات القوارض المصابة، خصوصاً في الأماكن المغلقة سيئة التهوية، مثل المخازن القديمة،الحظائر
البيوت المهجورة،المستودعات الزراعية،الأكواخ الريفية..
كما يمكن أن تنتقل العدوى عبر لمس أسطح ملوثة ثم لمس الفم أو الأنف، أو عبر عضات القوارض في حالات نادرة.
أما انتقاله بين البشر، فهو محدود جداً ويقتصر على بعض السلالات النادرة، وعلى رأسها “فيروس الأنديز”، ما يجعل خطر تحوله إلى وباء عالمي واسع أقل بكثير مقارنة بفيروسات مثل كورونا.
أعراض تبدأ بهدوء… ثم تنقلب فجأة
أخطر ما في فيروس هانتا أن بدايته تبدو خادعة للغاية. فالمصاب يشعر أولاً بأعراض تشبه الإنفلونزا العادية حرارة مرتفعة،تعب شديد،آلام عضلية،صداع وقشعريرة،
غثيان وتقيؤ
لكن خلال أيام قليلة، قد يتحول المرض إلى حالة حرجة جداً، خصوصاً عندما يهاجم الرئتين أو الكلى، فيعاني المصاب من ضيق تنفس حاد،
تراكم السوائل داخل الرئتين،انخفاض خطير في ضغط الدم، فشل كلوي، نزيف داخلي في بعض الحالات..
ويُعد Hantavirus Pulmonary Syndrome أخطر أشكال المرض، إذ تصل نسبة الوفيات فيه أحياناً إلى نحو 40 في المئة.
هل يهدد العالم كما فعل كوفيد-19؟
السؤال الذي عاد بقوة مع الحادثة الأخيرة هو: هل يمكن أن يتحول هانتا إلى جائحة جديدة؟
حتى الآن، تبدو الإجابة العلمية أقرب إلى “لا”. ففيروس COVID-19 امتلك قدرة استثنائية على الانتقال السريع بين البشر عبر الهواء، وهو ما لا ينطبق على هانتا في صورته الحالية.
لكن هذا لا يعني أن الفيروس غير خطير. فالمؤسسات الصحية الدولية تنظر إليه كأحد الفيروسات التي تستحق المراقبة الدائمة، خصوصاً مع التغيرات المناخية مثل ازدياد احتكاك البشر بالحياة البرية وتوسع المدن نحو البيئات الطبيعية وارتفاع أعداد القوارض في بعض المناطق
وهي عوامل قد تفتح الباب أمام ظهور سلالات جديدة مستقبلاً.
لا علاج حاسماً… ولا لقاحاً واسع الانتشار
حتى اليوم، لا يوجد علاج نوعي مباشر يقضي على فيروس هانتا، كما لا يتوفر لقاح عالمي واسع الاستخدام لمعظم سلالاته.
ويعتمد الأطباء في المعالجة على دعم التنفس وأجهزة الأوكسجين والعناية المركزة ومراقبة ضغط الدم إضافة الى علاج مضاعفات الكلى والرئتين.
ولهذا، يُعتبر التشخيص المبكر العامل الأهم في إنقاذ حياة المصابين.
بين الطبيعة وتدخل الإنسان… أين تبدأ الحقيقة؟
وفي عالمٍ لم يعد يثق بسهولة بكل الروايات الرسمية، تعود مع كل فيروسٍ جديد الأسئلة نفسها إلى الواجهة: هل ما يجري مجرد تطور طبيعي لأمراضٍ كانت كامنة في البرية؟ أم أن يد الإنسان، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، باتت شريكاً في فتح أبواب أخطار لم تكن لتصل بهذه السرعة إلى البشر؟
فبين المختبرات المتطورة، والتوسع العشوائي في الطبيعة، والعبث البيئي، والتنقل العالمي المفتوح، لم يعد كثيرون يرون أن ظهور الفيروسات المتكررة مجرد مصادفات بريئة. صحيح أن العلم لم يقدّم دليلاً حاسماً على وجود مخطط متعمد لنشر فيروسات مثل هانتا أو غيره، إلا أن الشكوك الشعبية تتصاعد مع كل أزمة صحية جديدة، خصوصاً بعدما عاش العالم تجربة قاسية مع COVID-19 غيّرت نظرة الناس إلى مفاهيم الأمن الصحي العالمي.
وفي انتظار ما ستكشفه السنوات المقبلة، يبقى الثابت الوحيد أن البشرية تدخل عصراً لم تعد فيه الفيروسات مجرد أحداث طبية عابرة، بل تحولت إلى ملفات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، تختلط فيها الحقائق بالمصالح، والعلم بالريبة، والخوف بالأسئلة التي لا تجد دائماً إجابات واضحة.
