محمد محمود شحادة

تُعدّ العقلنة مفهوماً مركزياً في الفكر الإنساني، ومنهجية تقوم على إعمال العقل في فهم الواقع واتخاذ القرار المناسب، بعيداً عن الانفعال او الاندفاع غير المحسوب، وقد شكّلت العقلانية كمدرسة فكرية رواجاً واسعاً وناجحاً عبر التاريخ، برز فيها فلاسفة مثل أرسطو الذي ربط الفضيلة بالاعتدال، وابن رشد الذي دافع عن انسجام العقل مع الدين، ورينيه ديكارت الذي جعل الشك المنهجي مدخلاً لليقين، هذه المدرسة لا تنفي الايمان بل تنظمه، ولا تلغي العاطفة بل تضبطها ضمن حدود المصلحة والمعرفة.
واذا انتقلنا الى السياق الاسلامي، نجد ان العقلنة ليست فكرة دخيلة، بل هي جزء من صلب التجربة الدينية، فقد عُرف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحكمته في ادارة الصراع، حيث لم يكن القتال هدفاً بحد ذاته ولا الوسيلة الوحيدة كيفما اتفق، بل احدى الوسائل المشروعة التي تُستخدم عند الضرورة وتُضبط بشروط المصلحة العامة، فصلح الحديبية مثال بارز على تقديم العقلانية السياسية على الاندفاع، رغم اعتراض بعض الصحابة آنذاك، كما جسّد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نموذجاً في تقديم المصلحة العامة وتجنب الدماء غير مرة، حتى عندما كان قادراً على الحسم بالقوة، وكذلك عبّر الامام الحسن عليه السلام عن قمة العقلانية عندما قبل بالتسوية لصالح الاسلام، فيما قدّم الامام الحسين عليه السلام نموذجاً متمماً للفكرة وذلك عبر المواجهة لكن عندما انعدمت الخيارات، ما يؤكد ان المنهج يحمل عدة خيارات و ليس واحداً جامداً، بل يتبدل وفق الظروف والمصلحة العامة سواء للدين او للبلاد.
من هنا، يصبح واضحاً ان العقلانية لا تتناقض مع الدين، بل هي اداته في تنزيل المبادئ على الواقع، وهي كذلك لا تتناقض مع المقاومة، بل تمنحها الشرعية والاستمرارية كما منحته إياها الشرعية الدولية، فالمقاومة التي تُدار بعقل تكون قادرة على التمييز بين الغاية التي يجب بلوغها والوسيلة التي يجب اتباعها.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد ان الدبلوماسية والكفاح المسلح ليسا نقيضين، بل اداتان متكاملتان في ادارة الصراع، فالتجارب العالمية تُظهر ان الحركات التي نجحت في تحقيق اهدافها، هي تلك التي عرفت كيف توظف القوة العسكرية ضمن مسار سياسي تفاوضي قبل تفككها والقضاء عليها، لان القتال الذي يخلق الوقائع يمنح الدبلوماسية التثبيت لهذه الوقائع وتحولها الى مكاسب مستدامة قبل انهيارها، و من دون مسار سياسي يتحول القتال الى استنزاف مفتوح كما وانه ومن دون قدرة ردع تصبح الدبلوماسية فارغة من القوة.
غير ان المشكلة التي برزت في البيئة الشيعية خلال السنوات الاخيرة، تتمثل في تراجع الكلمة الواعية لصالح الخطاب التعبوي الصاخب، خصوصاً في مناسبات مثل عاشوراء، فخلال العقد الماضي غلب الطابع العزائي لكن المؤدلج الذي يركّز على السلاح والقتال، ذلك على حساب البعد الفكري والأخلاقي والاصلاحي الذي حملته هذه المناسبة تاريخياً، فموقف الامام الحسين عليه السلام جاء نتيجة انتفاضة أخلاقية مقابل الانحدار الأخلاقي الذي ترأس الدين الإسلامي، فطالب بالإصلاح ولم يطالب بالقتال المفتوح، وما مارسه عملياً في رحاب المعركة اثبت انه عليه السلام له تعاليم إنسانية بالدرجة التولى فطلب من خصومه و اصحابه ان يكونو احرار في قراراتهم، لكن ما جرى من شحونات عاشورائية في السنوات الأخيرة أحدثت تحولاً بالمفهوم العاشورائي عند البيئة الشيعية و من خلال هذا التحول الذي لم يكن تفصيلاً، تشكيل وعي جمعي مشحون الى تقديس المواجهة بوصفها الخيار الوحيد حتى الموت.
ان تغييب الخطاب العقلاني في عاشوراء، ادى الى تضييق هامش التفكير داخل المجتمع، بحيث اصبح من الصعب تقبّل اي طرح لا يندرج ضمن منطق الحرب حتى الموت، وهذا يتناقض مع جوهر تجربة الامام الحسين نفسه، الذي لم يكن مشروعه مشروع فناء جماعي، بل مشروع اصلاح ووعي فردي وجماعي، تحويل هذه التجربة الى مجرد دعوة دائمة للقتال، هو اختزال مخلّ بل وتشويه لرسالتها.
فالتعبئة العقائدية المشحونة عبر الوساطة الدينية عندما تكون مغلقة على ذاتها ولا تقبل المراجعة تتحول من عنصر قوة الى عنصر ضعف، فهي تخلق حالة من التقديس غير العقلاني للخيارات العسكرية، وتمنع التفكير في بدائل اخرى، حتى لو كانت هذه البدائل تحقق نفس الهدف بكلفة اقل، مع انعكاس ذلك على الجمهور في الداخل الاجتماعي والسياسي يبرز بالتخبط غير الادراكي في التخوين و اتهامات العمالة حتى لمن خدم النازحين في احلك الظروف، سواء ظهر التخبط بالشارع او عبر التواصل الاجتماعي، فهذه انعكاسة واقعية لشحنات اندفاعية متراكمة و أحادية التفكير، كما انها ايضاً قد تعزل المقاومة نفسها عن بيئتها الحاضنة، اذا شعرت مع الوقت ذوبان مفعول الخطاب المتشنج و بالمقابل ترى ان حياتها وارزاقها وحدها توضع في مهب هذه القرارات التي لا تراعي الواقع.
ومن هنا، فإن الدعوة الى القتال الجمعي حتى آخر فرد لا تعبّرعن قوة، بل عن خلل في تقدير الواقع، فهي تضع المجتمع في مواجهة مفتوحة ليس لها افق واضح غير الفناء دون حساب للكلفة البشرية والعمرانية، كما انها تفتح الباب ايضاً امام استثمار خارجي بالمقاومة لكسب رهانات سياسية بواسطة المندفعيين على الأرض حيث يمكن توجيه هذا الاندفاع لخدمة مصالح لا ترتبط مباشرة بالمصلحة الوطنية.
العقلانية هنا تعني البحث عن افضل الخيارات المتاحة، لا عن الخيارات الايدلوجية غير الممكنة، وتعني ايضا الاعتراف بان استمرار الصراع المفتوح بلا افق سياسي قد يؤدي الى استنزاف طويل، يدفع ثمنه المجتمع قبل اي طرف اخر.
هنا تبرز الحاجة الى اعادة التأكيد ان المقاومة هي وسيلة لحماية لبنان، لا غاية بحد ذاتها، وهذا يفرض عليها ان تُظهر استعدادها للحلول الدبلوماسية، وان تؤكد ان قتالها مرتبط بالدفاع عن الجنوب وأهله وبالتالي لبنان الكيان، لا بالدخول في صراعات مفتوحة بغية افراغ عقائدي، فالعقلانية هنا تعني الحفاظ على القدرة الدفاعية، مع الانفتاح على تسويات تحمي المجتمع.
وفي هذا الاطار، يطرح موضوع التسوية على سلاح المقاومة كجزء من نقاش اوسع حول مستقبل الجنوب، لماذا؟ لانه مع تصاعد احتمالات التدمير الشامل، والذي نراه بات في منتصف الطريق، ومع امكانية ان تتحول القرى حتى نهر الليطاني الى ارض محروقة ومحروثة كلياً، يصبح من الضروري التفكير في خيارات تقلل من هذه المخاطر، فتسوية هذا السلاح ضمن رؤية وطنية يمكن ان تكون جزءاً من استراتيجية انقاذ للجنوبيين وكل لبنان، حيث توازن بين الردع والحماية وبين الكرامة والبقاء.
ان العقلنة والواقعية ليستا ترفاً فكرياً بل شرطاً لبقاء المجتمعات، فالدين الذي يدعو الى الحكمة لا يمكن ان يبارك قرارات تؤدي الى هلاك جماعي بلا جدوى، والمقاومة التي تريد الاستمرار لا يمكن ان تنفصل عن مجتمعها او ان تغامر بمصيره ومصير كيان وطنه، والمقاومة والدين والوطن يلتقيان عند نقطة واحدة: حماية الانسان والأرض، والانسان بلا ارضه يصبح دمية والأرض بلا انسانها تصبح صحراء، فمن دون هذا الوعي قد تتحول اعلى الشعارات الفتاكة بالعدو الى اخطر التهديدات تفتك باصحابها اذا ما غيبت العقلانية.
