في تحول لافت يعكس تغير أولويات السياسة الأمريكية في القرن الإفريقي، تتجه الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب نحو إعادة فتح قنوات التواصل مع إريتريا، الدولة التي ظلت لعقود ضمن أكثر الأنظمة تعرضًا للعقوبات والعزلة الغربية. ويأتي هذا التحرك في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز، ما دفع واشنطن إلى إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية في واحدة من أهم مناطق الملاحة العالمية.
وتستند الأهمية الجيوسياسية لإريتريا إلى موقعها الاستثنائي على البحر الأحمر، حيث تمتلك ساحلًا يمتد لأكثر من 1120 كيلومترًا مقابل السواحل السعودية، بالقرب من مضيق باب المندب الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وتشير تقديرات دولية إلى أن نحو 12 إلى 13% من تجارة النفط العالمية تعبر هذا الممر الحيوي، ما جعل أمن البحر الأحمر أولوية متقدمة لدى القوى الكبرى، خاصة بعد تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة، والتوترات المرتبطة بإيران في مضيق هرمز.
وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد فرضت في نوفمبر 2021 عقوبات واسعة على الجيش الإريتري والحزب الحاكم “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة”، إلى جانب مسؤولين بارزين، بسبب دور أسمرة في حرب إقليم تيغراي الإثيوبي بين عامي 2020 و2022. ووقتها، اتهمت واشنطن القوات الإريترية بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فيما اعتبرت الخطوة الأمريكية محاولة لدعم حليفتها الإثيوبية واحتواء تداعيات الحرب التي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح الملايين.
لكن المتغيرات الإقليمية والدولية دفعت إدارة ترامب إلى مراجعة هذا النهج. فوفق تقارير أمريكية ووثائق دبلوماسية متداولة، تدرس واشنطن تخفيف أو رفع بعض العقوبات عن إريتريا، في إطار محاولة لبناء شراكة أمنية جديدة تهدف إلى حماية خطوط الملاحة الدولية في ظل حربها على إيران،ويعكس هذا التحول إدراكًا أمريكيًا متزايدًا بأن عزل إريتريا لم يعد يخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن، خاصة مع تنامي التنافس الدولي على النفوذ في القرن الإفريقي، وتزايد المخاوف من تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة،كما تسعى واشنطن إلى توجيه رسالة واضحة إلى إثيوبيا بعدم اللجوء إلى القوة لتحقيق طموحاتها المتعلقة بالحصول على منفذ بحري، خصوصًا بعد تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن “حق بلاده في الوصول إلى البحر”.
ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تتبنى مقاربة براغماتية تقوم على تغليب المصالح الأمنية والاستراتيجية على اعتبارات كانت تتخذها زريعه لمعاقبة بعض الدول ومنها ملف حقوق الإنسان، غير أن هذا المسار يحمل مخاطر إقليمية كبيرة، أبرزها احتمال تفاقم التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، بما قد يهدد بإعادة إشعال صراع جديد في القرن الإفريقي.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو واشنطن وكأنها تعيد رسم خريطة تحالفاتها في المنطقة، واضعة أمن الملاحة الدولية واحتواء الخصوم الإقليميين فوق اعتبارات الخلافات القديمة، في خطوة قد تُغيّر توازنات البحر الأحمر خلال السنوات المقبلة.
