في وداع أمي
مر أربعون يوما على رحيلك يا أمي. لكن غيابك لم يصادر حضورك، فأنتِ حاضرة معي وأخواتي وقبلنا والدي بكل تفصيل.
لم يكن غيابك حدثا عابرا. بل زلزالا حطم كل ما حولي.
كان ذلك في يوم الثاني عشر من فبراير الماضي، أيقظتني زوجتي وهي تبكي، صحوت بعد أنا مضى ساعة على نومي عقب عودتي من العمل، حارت كيف تخبرني، إلى أن تأكدت منها أن أمي قد توفاها الله.
نظرت إلى سقف المنزل الذي بدأ يهوي فوق رأسي، انهار دفعة واحدة لكنه لم يسقط، فروحي هي في الحقيقة من هوت.
لم يتخيل لي يوما أن أمي يمكن أن ترحل، فأمي كانت بالنسبة إليه أشبه بالدهر، ثابتة لا تزول، راسخة لا تتزحزح، هي كالقدر ترافقني منذ ولدت حتى أفارق الحياة.
باغتنا موتك يا أمي، قتلنا جميعا.
الموت كان لصا سرقها وهرب سريعا، ندهت عليها، علي أسمع صدى لصوتخا لكنه مضى بها ولم ينتظر حتى لهفة ابن راحت عنه أمه دون وداع.
في وداعك يا امي، تلاشت معالم الواقع. لم أرى سوى الفراغ يقترب منه ويطبق علي.
أمي
أدركت حين فراقك أن اليتم لا يرتبط بعمر، هو شعور مفاجئ بالعجز، حين تنادي “ماما” فلا يأتيك الصوت الذي رافقك لعقود، ذلك الصوت الذي كان يرمم العالم من حولك، ويمنح الحياة معناها.
أمي
في وداعك، وقفت عاجزاً أمام جسدك الصامت، كانت تلك أول مرة أناديك ولا تردين علي.
كان ذلك في المشفى، جسد مسجى ينتظر قرار الرحيل وانتظر بدوري قرار رحيل روحي.
ركضت خلفك عندما مررت تودعين بيتك لأخر مرة كطفل يرفض الفقد، ناديت عليك، لكن دون جدوى.
وحين الصلاة على جسدك الطاهر التف حولك والدي وإخوتي وكنت إلى جانبهم، كما كنا نفعل دائما، إذ علمتنا أن نكون يدا واحدة وقلب واحد، لكن هذه المرة كان الالتفاف وداعا أخيرا لروحك، لا لقاء بعده.
والدي، الرجل الذي تجاوز الثمانين قبل عدة ايام، بدا صلبا كعادته، لم تفضح الدموع حزنه، لكن قلب كان ينزف بصمت. أما نحن فكنا نذرف دموعا لا مداد لها.
وفي المقبرة، حيث الحقيقة الأكثر قسوة، كنت آخر من ألقى على الجثمان التراب، لم أكن أفعل ذلك تسليما بالفقد، بل حبا فيك، إذ اعتدت طوال سنيني أن أقدم لك كل ما أستطيع. كانت محاولة يائسة للعطاء حتى في لحظة الرحيل.
منذ ذلك اليوم، تغير كل شيء، صار الحزن رفيقي، أذرف الدمع بلا استئذان.
أسير في الشوارع باكيا، أنده عليك مفجوعا، أبحث عنك في كل مكان، وانظر إلى السماء علها ترق لحالي وتعيدك ولو مرة واحدة، لكن شيء من هذا لن يحدث أبدا.
أمي
رحيلك لم يكن غيابا، بل كان انكسارا، ترك في القلب فجوة لا تردم، ووجعا لا يختصر، وجرحا لا يلتئم.
ومع ذلك، يبقى الحنين شكلا من أشكال الحياة، وتبقين يا أمي، أجمل ما يسكن روحي وأكثر ما يوجعها.
كانت آخر كلماتي لك، “اقرأي السلام على شهداء غزة”
فمقامك يا أمي مع النبيين والصديقين والشهداء، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
