أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،بالانسحاب من 66 منظمة دولية، من بينها منظمات إغاثية وصحية وتنموية، مخاوف واسعة بشأن تداعياته على القارة الإفريقية، لا سيما الدول الفقيرة والهشّة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الدولي لمواجهة الأزمات الصحية والمناخية والإنسانية.
الولايات المتحدة كانت على مدى عقود أكبر ممول منفرد لعدد من منظمات الأمم المتحدة وبرامج الإغاثة العالمية. ففي المجال الصحي، بلغت المساهمات الأمريكية لمنظمة الصحة العالمية قبل قرارات الانسحاب والتجميد ما بين 600 و700 مليون دولار سنويًا، وهو تمويل أسهم مباشرة في دعم برامج التطعيم، ومكافحة الأوبئة، وتعزيز النظم الصحية في عشرات الدول الإفريقية. كما تعهدت واشنطن بتقديم نحو 4 مليارات دولار لتحالف “غافي” للقاحات خلال الفترة 2021–2025، وهو ما مكّن دولًا إفريقية فقيرة من توفير لقاحات أساسية للأطفال، من بينها لقاحات شلل الأطفال والحصبة وكوفيد-19.
هذا التراجع في الدور الأمريكي يتزامن مع تصاعد الكوارث في جنوب القارة الإفريقية. فقد شهدت دول مثل ملاوي وموزمبيق وزيمبابوي وزامبيا خلال الأعوام الماضية أعاصير مدمرة وفيضانات واسعة النطاق، إلى جانب موجات جفاف قاسية مرتبطة بظاهرة “إل نينيو”. ووفق بيانات برنامج الأغذية العالمي، واجه أكثر من 45 مليون شخص في جنوب إفريقيا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال عامي 2024 و2025، وسط تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء.
في ملاوي وموزمبيق، أدت الأعاصير إلى تدمير مرافق صحية وشبكات مياه، ما زاد الحاجة إلى الأمصال والأدوية والمساعدات الطارئة. إلا أن تقليص التمويل لبعض برامج الإغاثة الدولية، نتيجة قرارات أمريكية سابقة بالانسحاب أو خفض المساهمات، خلق فجوات تمويلية واضحة وأبطأ الاستجابة الإنسانية، بحسب تقارير صادرة عن وكالات أممية.
كما أن انسحاب الولايات المتحدة من منظمات واتفاقيات معنية بالمناخ والبيئة يضعف جهود التكيّف في دول إفريقية تُعد من الأقل مساهمة في الانبعاثات العالمية، لكنها الأكثر تضررًا من آثار التغير المناخي. هذه الدول تعتمد بشكل رئيسي على التمويل الدولي لبناء أنظمة إنذار مبكر، ودعم المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الفقيرة على الصمود أمام الجفاف والفيضانات.
في المحصلة، لا يقتصر قرار ترامب على إعادة رسم علاقة واشنطن بالمؤسسات الدولية، بل يترك أثرًا مباشرًا على ملايين الأفارقة الذين يجدون أنفسهم أمام أزمات متراكمة، في ظل تراجع أحد أهم مصادر التمويل والدعم الإنساني عالميًا، وسط تساؤلات مفتوحة حول قدرة المجتمع الدولي على سد هذا الفراغ.
