في خضم المفاجآت التي تحملها كأس العرب 2025 في قطر، برز مُنتخب فلسطين كرقم صعب في البطولة، فبعد مفاجأة المباراة الافتتاحية التي فاز فيها على قطر وسط جماهيرها، تمكّن من تحقيق تعادل مثير وبطعم الفوز على المُنتخب التونسي، رغم فارق الإمكانيات والخبرة بين اللاعبين، بيد أن إرادة الفدائي على الواقع أكبر بكثير مما هو مكتوب على الورق.
ولأجل تسليط الضوء أكثر على أجواء المنتخب الفلسطيني من قلب كأس العرب بالدوحة، انفردت الوكالة العربية الإفريقية للأنباء بهذا الحوار الخاص مع المُنسق الإعلامي للمنتخب الفلسطيني الكابتن مصعب أبو سيف.
في هذا الحوار، تفاصيل كثيرة وعوامل تحفيزية على المستوى النفسي والمعنوي والبدني ساهمت في تألق منتخب الفدائي الذي انتفض كطائر الفينيق من قلب فلسطين المثخنة بجراح الحرب والقصف والدمار الإسرائيلي، ورغم العدوان الإسرائيلي المسكوت عنه دوليا ضد البلاد، فإن عناصر المنتخب الفدائي أثبتوا حضور دولة فلسطين ورفعوا رايتها عاليا وفرضوا اسمها بقوة في الميدان، وحوّلوا كل المعاناة إلى مادة تحفيزية لتحقيق المُستحيل.
وإليكم نص الحوار كاملا:
أهلا بك كابتن مصعب أبو سيف، الآن، مفاجأة كأس العرب 2025 هو المنتخب الفلسطيني، فوز مستحق على المنتخب المضيف الذي هو بطل آسيا، وتعادل دراماتيكي مع تونس، هل كنتم تُحضّرون هذه المفاجآت قبل انطلاق البطولة؟
منذ سنتين، والمنتخب الفلسطيني في أداء تصاعدي، والبداية كانت من كأس آسيا الأخيرة التي أُقيمت في يناير 2024 بدولة قطر، وبلغنا الدور الثاني لأول مرّة في التاريخ، وبعدها استمر التصاعد في المستوى وتأهلنا للدور الثالث من تصفيات كأس العالم، وخرجنا من هذا الدور في آخر دقائق مباراتنا ضد سلطنة عمان بهدف تعادل.
منذ تولي الجهاز التدريبي الجديد دفة الأمور قبل سنة، أحدث نقلة نوعية على صعيد الأداء والتكتيك في المنتخب الوطني الفلسطيني، ونحن أتينا لكأس العرب بهدف المنافسة، وليس المشاركة ورفع العلم الفلسطينـي رغم أن هذه الأمر موجود، وهدفنا هو حضور فلسطين في كل البطولات العربية والقارية والعالمية، ولكن هذه المرة أتينا بهدف المنافسة، ووضع بصمة لفلسطين ومنتخبها في هذه البطولة العربية.
على ماذا يعتمد المنتخب الفلسطيني بشكل أكثر في المباراة، الانضباط التكتيكي الدفاعي أم على اللعب المفتوح والجرأة الهجومية؟ نحن شاهدنا كلا الأمرين في المباراتين ولكن ما الأكثر اعتمادا من قبل المدرب؟
المدرب يتعامل مع كل مباراة على حدة، وتفاصيل كل لقاء تختلف عن الآخر، أمام قطر كنا نعرف أننا نلعب ضد منتخب بطل آسيا في نسختين متتاليتين ومتأهل لكأس العالم، تعاملنا معه في البداية بشيء من التحفظ الدفاعي، ولكن فيما بعد رأينا أداء هجومي قوي من المنتخب الفلسطيني.
وتكرّر الأمر نفسه أمام تونس، في الربع ساعة الأولى من اللقاء كان بعض التحفظ الدفاعي لامتصاص الاندفاع الهجومي التونسي، وهو أمر كان متوقع لأن التونسيون كانوا قد خسروا المباراة السابقة ضد سوريا ويريد التعويض، ولكن في الشوط الثاني، ظهر المنتخب الفلسطيني بشكل هجومي مكثف، واندفع وخلق فرص عديدة، هذا الأمر هو بارز وظهر كشكل جديد في المنتخب الفلسطيني خلال السنة الأخيرة، أي يبادر للهجوم ويسيطر على الكرة، يخلق فرص ويفوز في المباريات، وفي تصفيات كأس العالم كانت تفصلنا عن مرحلة الملحق ثلاثون ثانية فقط.
والمنتخب الفلسطيني يضم اليوم نخبة من أبرز اللاعبين الفلسطينيين على مرّ تاريخ المُنتخب، نحن نحكي عن سبعة لاعبين محترفين في الدوري القطري، هناك ثلاثة أو أربعة في الدوري المصري، واللاعب وسام أبو علي محترف في الدوري الأمريكي وكان العام الماضي هدّاف الدوري المصري مع فريق الأهلي العريق، وفي أوروبا كذلك، وبالتالي التشكيلة هي مُميّزة ورائعة ولديها العديد من القدرات والإمكانيات التي تستطيع أن تصنع الفارق على أرض الملعب.
كانت لكم جولة ومعسكر في إسبانيا، ولعبتم مباراتين كانتا ذات رمزية إنسانية وخيرية ضد منتخب الباسك ومنتخب كاتالونيا، هذا الاحتكاك بالكرة الأوروبية ووسط أجواء مريحة وداخل معسكرات مجهزة، كان عاملا مساعدا لكم؟
نعم وبشكل كبير جدا، لأن المنتخب الفلسطيني لأول مرة في تاريخه يلعب ويحتك بالفرق الأوروبية، ولأول مرة المنتخب الفلسطيني للرجال يلعب في أوروبا، والاحتكاك كان منتخبين رغم أنهما غير معترف بهما رسميا في الفيفا، ولكنّهما يضمان لاعبين محترفين في الدوري الإسباني “لاليغا” مع فرق أتلتيك بلباو وبرشلونة وريال سوسيداد وإسبانيول وأوساسونا، وبالتالي الاحتكاك كان مفيد جدا على الصعيد البدني، والتكتيكي، وكان أفضل تحضير لهذه البطولة، خصوصا المباراة الأولى مع منتخب إقليم الباسك، كانت قوية على مدى كل دقائقها، صحيح خسرناها بثلاثية نظيفة، ولكن كانت مفيدة جدا والمنتخب ظهر بمستوى بدني عالي، واستفاد تكتيكيا من هذه المباراة، والجهاز الفني كوّن فكرة جيدة وصورة واضحة عن المنتخب والأداء واللاعبين الذين سيتواجدون في بطولة كأس العرب، وبالتالي المُعسكر في إسبانيا كان أفضل استعداد لنا.
شاهدنا في مباراة تونس، تأخر في النتيجة بهدفين، وليس سهلا الخسارة مع تونس بهذه النتيجة، وأيضا أمام قطر الذي ضغط بقوة في المباراة الافتتاحية، لكن العودة في المباراة وفي النتيجة تكون مُبهرة من الفدائيين؟ لو تخبرنا حول تفاصيل ما يحدث في الكواليس بين الشوطين؟
خلال مباراة تونس، أنا كنت موجودا في غرفة الملابس بعد الشوط الأول وشاهدت اللاعبين يشجعون بعضهم ويقولون “إحنا شباب نقدر نرجع في النتيجة ونقدم أداء أحسن ومش لازم نضيع هذه المباراة، ومش لازم نضل نحكي أننا لعبنا ولكن خسرنا، هذه المرة يجب أن نُثبت عن جد أننا نريد ونقدر على الفوز”.
من جهة المدرب بالإضافة للأمور الفنية والتكيتيكية أنه هناك خطأ ما في هذا المركز أو تغيير اللاعبين أثناء المباراة، فالمدرب إيهاب أبو جزر هو إطار تحفيزي من الطراز الأول، ويقوم دوما بتذكير اللاعبين بمعاناة الشعب الفلسطيني وأهاليهم في قطاع غزة والضفة الغربية، وبحرب الإبادة التي تحدث في غزة، وتصلنا آلاف الرسائل التحفيزي من أبناء شعبنا في قطاع غزة، ويقولون لنا فيها “أنتم تُفرحوننا وترسمون البسمة على وجوهنا، وأنتم الفرحة الوحيدة لنا خلال هاته السنتين من الحرب في فلسطين”، أظن هذه هي نقطة القوة والسر في أداء المنتخب الفلسطيني.

ثمة خاصية متفردة يتمتع بها المنتخب الفلسطيني وهي أن جماهير المنتخبات التي لعبتهم ضدها، شجّعتكم أكثر من منتخباتها، وربما إذا ذهبتم بعيدا في البطولة سنكون أمام مشهد جماهيري منقطع النظير.. ماذا تقولون للجماهير العربية وأبناء فلسطين أيضا؟
أنا أشاهد على صفحات المنتخب الفلسطيني بمواقع التواصل تفاعلا رهيبا جدا مع المنشورات، ورسالتنا للجماهير الفلسطينية والعربية هي أولا شكرا جزيلا لكم بحجم الوطن العربي كله من المحيط إلى الخليج، غمرتونا بلطف وحب وعباراتكم اللطيفة والرائعة، وأثبتتم الحب الصادق لفلسطين بعيدا عن كل المناكفات وما يجري من بعض “الذباب الإلكتروني”، ويوم المباراة مع تونس كانت الجماهير التونسية هي الأكثر حضورا بالملعب وحين سجلّت تونس احتفلوا بمُنتخبهم، واحتفلوا أيضا وبشكل أكبر حين سجلّت فلسطين.
وحين قُمت بتنزيل صورة من المدرجات على صفحة المنتخب الفلسطيني بالفيسبوك، وكتبت على الصورة التي فيها العلم التونسي والفلسطيني متلاصقين “كيف نُشفى من حبّ تونس”، حصدت أكثر من مليون ونصف مشاهدة، وعشرات آلاف التعليقات، تُثبت مدى صدق وحب الجماهير العربية لفلسطين، وانتماءهم لهذه القضية العادلة والشريفة، وهي تُمثّل كل العرب.
حين يلعب المنتخب الفلسطيني ويفوز، تُثبت الجماهير العربية بأن فلسطين لا تزال هي القضية الأولى للعرب.
هل المنتخبات العربية عليها أن تخشى الفدائي في بطولة كأس العرب؟ وهل كبر الطموح الفلسطيني في البطولة بعد الأداء الإيجابي ضد قطر وتونس؟
نحن كما ذكرت لك في البداية، نُشارك في البطولة لأجل المنافسة والفوز وليس للنزهة، وأثبتنا في المباراتين هذه المسألة…

ماذا سيحدث مع سوريا، هل حضّرتم جيدا لهذا اللقاء، ربما عليكم الحذر من النجم عمر خريبين؟
إن شاء الله سنُحضّر جيدا للمباراة مع المنتخب السوري، ولدينا يوم السبت التدريب الأخير قبل المباراة، وأعتقد أن المباراة جاهز للمباراة مع سوريا، ويُحقّق الفوز والتأهل بشكل رسمي إلى دور الثاني.
نحن نريد الفوز ولا نريد تحقيق التعادل فقط، لأنه حين تلعب بذهنية تحقيق الفوز أو التعادل تكون مُهيأ نفسيا لتحقيق إحدى النتيجتين، ولكن تلعب لأجل التعادل فقط، فقد يظهر الأداء بصورة غير مُناسبة وضعيفة وقد تخسر المباراة والتأهل أصلا.
بعد ضمان التأهل إلى الدور الثاني، سيرتفع سقف الطموح الفلسطيني أكثر من الأول؟
نحن طموحنا أن نصل للأدوار المتقدمة، ونذهب بعيدا في البطولة، ولم لا النهائي، وإذا حدث وتقابل المغرب مع فلسطين في الدور الثاني، نتمنى أن تكون مباراة تليق بمستوى الفريقين، المغرب مُنتخب كبير وله بطولات قاريّة وتاريخ، لا شك لدينا بأن الجماهير المغربية ستشجعنا نحن ومنتخب بلادها.
سيد مصعب أبو سيف في ختام هذا الحوار الشيق، نريد أن تُقرّبنا أكثر من طاقم المنتخب الفلسطيني اليوم، خاصّة أنه طاقم متنوع الجنسيات العربية، وأيضا من واقع الكرة الفلسطينية بعد الحرب الإسرائيلية عليكم
نعم، نحن في المنتخب الفلسطيني لدينا طاقم تدريبي محلّي، من المدرب إيهاب أبو جزر، وهو ابن مدينة خانيونس بقطاع غزة، وبيته هُدم بسبب القصف الإسرائيلي، وعائلته عانت ما عانته في الخيام والنزوح والتهجير، وله أقارب وأصدقاء استشهدوا خلال الحرب، وطبيب المُنتخب هو من المغرب هو الدكتور عماد تاج الدين، هو مقيم في قطر، وأيضا المُعد البدني للمنتخب هو من مصر، والمُعالج المكلف بالعلاج الطبيعي للاعبين من تونس.
بالنسبة لواقع كرة القدم والرياضة بفلسطين، فنحن في بلادنا تدمّرت أزيد من 300 منشأة رياضية بسبب القصف الإسرائيلي، وأزيد من 1000 رياضي استشهدوا خلال الحرب، أشهرهم اللاعب السابق سليمان العبيد، واستشهد أيضا مدرب المنتخب الأولمبي الفلسطيني هاني المصدر بنيران القصف الإسرائيلي، وكان مساعدا لإيهاب أبو جزر قبل التحاقه بتدريب المنتخب الأول.
اجرى الحوار:أيمن مرابط – الوكالة العربية الإفريقية للأنباء
