بمشاركة ما يقارب الثمانين وفداً مُمثلاً لمختلف دول العالم، وممثلي عدد من المنظمات الإقليمية والدولية، وكبرى الشركات العالمية. ووسائل الاعلام، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتحف المصري الكبير.
الاحتفالية، التي بدأت بعرضٍ فني بعنوان “العالم يعزف لحناً واحداً”، أعقبه عرض “الليزر والدرونز”، والذي شرح نظرية “حزام اوريون”، وعلاقة بناء المتحف المصري الكبير بالأهرامات، ليأتي من بعده عرض فني بعنوان “رحلة سلام في أرض السلام”، تخلله مشهد فني عن إبداع المصريين في البناء بداية من بناء هرم زوسر حتى البناء في العصر الحديث، ليستمع الحضور لأغنية قبطية، وإنشاد صوفي، ثم عرض آخر بالدرونز يظهر عبارة “الحضارات تزدهر وقت السلام”.

وخلال الحفل ألقى الرئيس السيسي كلمة أكد خلالها بأن هذا الصرح العظيم، ليس مجرد مكان لحفظ الآثار النفيسة.. بل هو شهادة حية، على عبقرية الإنسان المصري.. الذى شيد الأهرام، ونقش على الجدران سيرة الخلود .. شهادة؛ تروى للأجيال قصة وطن.. ضربت جذوره فى عمق التاريخ الإنسانى.. ولا تزال فروعه تظلل حاضره.. ليستمر عطاؤه فى خدمة الإنسانية.
وعقب افتتاحه رسميًا قام الرئيس السيسي، باصطحاب الضيوف، في جولة بالمتحف

يقع المتحف عند بوابة الأهرامات في الجيزة، في موقع يجمع بين رمزية الماضي وأفق المستقبل، ليكون بحق بوابة مصر إلى حضارة جديدة تعيد تعريف علاقتها بتاريخها العريق وتقدمه برؤية معاصرة للعالم.
انطلقت فكرة المتحف في تسعينيات القرن الماضي، حين برزت الحاجة إلى صرح ثقافي يعكس عظمة الحضارة المصرية القديمة. وفي عام 2002 أعلنت الدولة، برعاية منظمة اليونسكو، عن مسابقة معمارية دولية لتصميم المتحف، أسفرت عن اختيار تصميم هندسي فريد يمزج بين روح الحضارة القديمة والابتكار المعماري الحديث. ومنذ وضع حجر الأساس عام 2005، بدأ مشروع الحلم يتحول إلى واقع ملموس، حيث اكتملت أعمال البناء والتجهيز على مدى عقدين ليصبح المتحف اليوم تحفة معمارية وثقافية متكاملة.
يمتد المتحف المصري الكبير على مساحة 120 فدانًا، ويضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تمثل شتى العصور المصرية من ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني. ويُعد العرض الكامل لمقتنيات الملك توت عنخ آمون – أكثر من 5 آلاف قطعة تُعرض لأول مرة مجتمعة – أحد أبرز إنجازاته. كما يضم تمثال الملك رمسيس الثاني في بهو المدخل، ومراكب الشمس، ومجموعة الملكة حتب حرس، ومركزًا متكاملًا لترميم وصيانة الآثار هو الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط.

ومن اللحظة الأولى لدخول الزائر، ينبهر بتصميم المتحف المهيب: مدخل يمتد على سبعة آلاف متر مربع، يليه الدرج العظيم الذي يعرض 87 قطعة أثرية ضخمة تروي مسيرة الحضارة المصرية. وفي قلب المتحف تقع قاعة توت عنخ آمون، بينما تتوزع قاعات العرض الدائم على مساحة 18 ألف متر مربع تروي عبر آلاف القطع قصة الإنسان المصري عبر الزمن. أما قاعات العرض المؤقت، بمساحة خمسة آلاف متر مربع، فتُتيح استضافة معارض دولية متجددة تسلّط الضوء على جوانب مختلفة من التراث الإنساني.
ولا يقتصر دور المتحف على العرض الأثري فقط، بل يمتد ليشكل مركزًا ثقافيًا وتعليميًا عالميًا. فإلى جانب المتحف الرئيس، يضم المشروع متحف الطفل بمحتوى تفاعلي يناسب الصغار، ومركزًا تعليميًا وقاعات للحرف التراثية، ومكتبة متخصصة في علم المصريات، إلى جانب مركز للمؤتمرات الدولية وقاعات سينما وحدائق ومطاعم تطل على الأهرامات، ليمنح الزائر تجربة ثقافية متكاملة تمزج بين المعرفة والترفيه.

وإلى جانب قيمته الثقافية، يُنتظر أن يكون للمتحف أثر اقتصادي وسياحي ضخم، إذ تشير التقديرات إلى أنه سيجذب نحو خمسة ملايين زائر سنويًا، ويخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في مجالات السياحة والخدمات والنقل والصناعات الثقافية، فضلًا عن دوره في تعزيز مكانة القاهرة كوجهة رئيسة لسياحة المؤتمرات والمعارض الدولية.
ويُعد المتحف أيضًا رمزًا للتنمية المستدامة، بعد أن دمج معايير البناء الأخضر والابتكار البيئي في جميع مراحله، ليحصل على عدد من الجوائز الدولية المرموقة، منها الشهادة الذهبية للبناء الأخضر وشهادة EDGE من مؤسسة التمويل الدولية كأول متحف أخضر في إفريقيا والشرق الأوسط. كما فاز بجائزة فيرساي العالمية برعاية اليونسكو، وجائزة “أفضل نموذج لبناء المنشآت الذكية” لعام 2023، ما جعله نموذجًا عالميًا في إدارة المؤسسات الثقافية المستدامة.
بالختام فقد نجحت مصر في أن تجعل من ماضيها جسرًا يعبر إلى الغد، ومن تراثها القديم مشروعًا حديثًا يليق بعظمة الأجداد وطموح الأجيال الجديدة،وفي هذا المعنى، يبدو السؤال مشروعًا:هل أصبح المتحف المصري الكبير مجرد شاهد على التاريخ، أم بداية فصل جديد في حضارة لا تعرف التوقف؟
