أجرى الحوار: أيمن مرابط
لم تكن الحرب المفتوحة في غزة حربا ثنائية بين إسرائيل وحماس فقط، فما حدث منذ السابع من أكتوبر قبل عامين، حوّل منطقة الشرق الأوسط إلى مسرح “عمليّاتي” شبيه بمسرح حرب عالمية جديدة، وكادت أن تتسّع رقعة المواجهة إلى مستوى حرب عالمية لو أن الخطر الداهم ضد إسرائيل هدّد بشكل فوري مصيرها الوجودي، وما قدوم حاملات الطائرات الأمريكية وسفن حربية أوروبية إلى البحر الأحمر والبحر المتوسّط بُعيد الحرب بغرض حماية إسرائيل سوى دليل على ذلك.
من رهانات يحيى السنوار على قوى “محور المقاومة” بالدخول الكامل في الحرب، ودعم دولي غربي غير مسبوق لإسرائيل، إلى تفاعلات الشارع العربي الخجولة مع حرب غزة مقابل غضب شعبي أوروبي، وتفصيل أسباب الخجل العربي، وتحليل الأسباب والحواجز المعقدّة التي قيّدت هامش المناورة لدى حزب الله، ثم حديث عن جدوى النقد الذاتي في صفوف حركات المقاومة، وإلى قراءة دقيقة لمواقف الدول الأوروبية المنقسمة تجاه إسرائيل بعد الحرب، ومحاور أخرى ضمن حوار خاص للوكالة العربية الإفريقية للأنباء مع الكاتب الصحفي والأكاديمي اللبناني المقيم في فرنسا الدكتور فيصل جلول والعضو بأكاديمية باريس للجيوبوليتيك
1. مع بداية معركة “طوفان الأقصى”، عدة أصوات وأقلام عربية ألقت اللوم بشكل مباشر على حماس بأنها البادئة للحرب وعليها تحمل النتائج؟ واليوم بعد عامين، تعتبر أن إسرائيل خرجت منتصرة، في تقديركم وقراءتكم للمشهد، هل فعلا إسرائيل خرجت منتصرة؟ وهل نحن أمام فصل جديد من نظرية دينامية الفشل والتدمير الذاتي التي تحدث عنها المفكر جورج قرم؟
حرب غزة فشلت على الصعيد العسكري، وهذا الفشل واضح على الأرض في غزة وفي لبنان وفي سوريا “تم تغيير النظام”، ولم تخرج إيران منتصرة من الحرب عسكريا، لكن على الصعيد السياسي يمكن القول بأن الحرب أعادت طرح القضية الفلسطينية على بساط البحث و أعادت إحياء “حل الدّولتين”، بهذا المعنى يمكن القول أن حرب غزة أدّت إلى نجاح سياسي، نتلمّس عناصره أولا في خطة إعادة إعمار، وخطة السلام المعروفة باسم “خطة ترامب”، هذه الخطة تُوفّر حماية دولية للشعب الفلسطيني، وهذا ما كانت تطالب به السلطة الفلسطينية منذ وقت طويل في الضفة الغربية ولم يتم، حرب غزة فرضت هذه الحماية، وهذا أمر مهم بالنسبة للمستقبل، إذا ما تمّ تطبيق “خطة ترامب” بالكامل، وستؤدي بالضرورة إلى فكّ الحصار عن غزة، وهذا واحد من المطالب التي كانت مطروحة.
أكرّر القول بأن حرب غزّة، أدّت إلى إحياء القضية الفلسطينية، وصارت هذه القضية المطروحة على بساط البحث في كل مكان في العالم، في أوروبا بصورة خاصة ولدى الرّأي العام الأوروبي خاصة، وفي آسيا وإفريقيا، وهذا أمر مهم جدا.
التضحيات التي بذلها الشعب الفلسطيني كبيرة جدا، والتي بذلها الشعب اللبناني كبيرة جدا، والنظام السوري دفع ثمنا باهظا لمواقفه من القضية الفلسطينية وسقط بنتيجة هذه الحرب، وفي إيران تلقّى البرنامج النووي ضربة كبيرة، ولكن يبدو أن الإيرانيين بصدد إعادة إعمار ما تمّ ضربه، واستئناف برنامجهم النووي، وكما يقولون الاستعداد مجددا لجولة جديدة من هذه الحرب.
ما ذكره المفكر الراحل جورج قرم عن دينامية الفشل والتدمير الذاتي لا ينطبق على مجريات الحرب في غزة. ما الخيار المطروح أمام الشعب الفلسطيني غير المقاومة؟، يعني إن لم يُقاتل من أجل قضيته، ما الذي يمكن أن يفعله غير ذلك، طبعا الشعب الفلسطيني عاش عقودا طويلة يطالب بالحل السلمي للقضية الفلسطينية ولم يتم هذا الحل، لجأ إلى السلاح علّه يجد حلا، ولم يجد الحل المطلوب، لكن لم يكن لديه خيار آخر غير المزيد من التضحيات كي لا تموت قضيته، لقد انتهت التضحيات التي بذلتها منظمة التحرير الفلسطينية إلى اتفاق أوسلو 1993 وإقامة الدولة الفلسطينية، “قد لا يكون ذلك على الأرض تماما”، لكن الاعتراف الدولي بها أمر في غاية الأهمية. ونرى الآن حرب غزة تُعيد طرح القضية الفلسطينية بعد أن كان نتنياهو وحكومة إسرائيل بصدد إلغاء القضية عبر الاتفاقيات الابراهيمية وإلغاء الدولة الفلسطينية والشعب الفلسطيني عبر تلك الاتفاقيات، إذن، لا يمكن الحديث عن “تدمير ذاتي فلسطيني”، ما دامت خيارات الشعب الفلسطيني المطروحة لحلّ قضيته مقفلة، الخيارات مفتوحة فقط على السماح لإسرائيل والتواطؤ معها دوليا بإقفال الملف الفلسطيني وتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية أردنية، وتحويل الدولة الفلسطينية إلى دولة في الأردن، رفض الشعب الفلسطيني الخيار الأردني، و قام بانتفاضات وثورات مسلّحة وسلمية، وما زال يقول بأنه موجود وحي ويريد الحصول على دولته، وهو اليوم أقرب إلى هذه الدولة من أي وقت مضى.
2. . هل لا تزال صالحة اليوم أدبيات ونظريات النقد الذاتي والمراجعات الذاتية التي صيغت من مفكرين عرب خلال فترات النكسة 67 واجتياح 82؟
النقد الذاتي ضروري في كل عمل ثوري ومسلح، وفي كل مقاومة مدنية، وهو وسيلة في غاية الأهمية لتصحيح المسار، ولتفادي الأخطاء، ولخوض نقاش حول الخيارات المطروحة، أي منها كان ينبغي اعتماده أو تجنبه. النقد الذاتي وسيلة مهمة في حياة الشعوب والحركات الثورية، وفي الحركات الاستقلالية، لا يمكن لأي حركة أن تقول بأنها كانت دائما على حق، ولا يمكن لأي حزب أن يقول بأنه دائما على حق، يجب تقييم التجربة، والتخلي عن هفواتها وأخطائها، وتعظيم إنجازاتها إن كانت هناك إنجازات والبناء عليها، النقد الذاتي مسألة في غاية الأهمية بحياة الحركات الثورية والشعوب، وحياة المثقفين والمفكرين، هذا أمر لا يمكن إلغاءه أو تجنبه، بل العكس ينبغي استخدامه بطريقة مُخلصة وحيوية.
أما النقد الذاتي الذي مورس بعد حرب حزيران 1967 فبعضه كان سيئا للغاية إذ فسّر هزيمة حزيران بأنها هزيمة حضارية وليست هزيمة عسكرية واشترط النصر بأن يصبح العرب مثل أوروبا وفي مقامها، هذا ما أكده صادق جلال العظم وهو مع الأسف يزيدنا هزيمة وتبعية ويبعدنا عن دروس الهزيمة الحقيقية والواقعية.
3. وصفتم في سلسلة مقالات لكم أن “طوفان الأقصى” هي “بيرل هاربر فلسطينية”، لماذا لم يكن لها نفس الامتداد والتأثير لبيرل هاربر اليابانية بالحرب العالمية الثانية؟ وهل كان يمكن أن تتحول العملية لحرب عالمية جديدة لو انضمّت أطراف إقليمية أخرى بكامل قوتها للحرب؟، وهل يمكن أن تؤدي الرغبة الإسرائيلية في استمرار حربها بالشرق الأوسط إلى هذا الأمر؟
أستبعد أن تؤدي الحرب الحالية إلى اتساع أفقها في الشرق الأوسط وتحولّها من بعد إلى حرب عالمية، لا توجد بوادر في هذا الاتجاه، خاصة أن محور الممانعة الذي سيكون طرف في هذه الحرب، وصل إلى المكان الذي وصل إليه، وأشرت إلى هذا في الإجابة على السؤال الأول، هو يعيد تنظيم صفوفه لكن إسرائيل لا تتيح له ذلك، إسرائيل تمكنت من إغلاق النافذة العراقية، وتمكنّت من تحجيم النافذة اللبنانية، بل وتمارس استراتيجية هجومية في لبنان، تقتل يوميا كي لا تتيح لحزب الله إعادة إعمار قوتّه ومناطقه، وجعله دائما في موقع دفاعي وحرمانه من هامش المناورة. في إيران هناك حديث عن استراتيجية إعادة بناء قد تتخذ وقتا طويلا، إسرائيل أرسلت إلى إيران عبر فلاديمير بوتين بأنها ليست راغبة في الحرب، أي في تجديد الحرب على إيران، ولا نعرف الجواب الإيراني ما هو، ولكن، لا أظن أن الإيرانيين يستعدون لشن حرب على إسرائيل في هذا الوقت، وحرب غزة الأخيرة رسمت حدودا، وأعتقد أن هذه الحدود ستظل محترمة إلى مدى منظور.

بالنسبة لامتدادات “طوفان الأقصى”، صحيح أنها لم تترك التأثير الذي تركته عملية “بيرل هاربر”، ولكن كان لها تأثير كبير جدا، فما معنى أن تُرسل أمريكا بعد “طوفان الأقصى” ثلاث حاملات طائرات من أصل ست أو سبع لديها إلى الشرق الأوسط، وإرسالها هو عمل حربي وليس نزهة أو للاحتياط، وكان رسالة لمحور المقاومة بأن الولايات المتحدة الأمريكية طرف في هذه الحرب، وأن اتساع هذه الحرب سيؤدي بالضرورة إلى مشاركة حاملات الطائرات ومشاركة أميركا مباشرة فيها، وفرنسا أيضا أرسلت حاملة طائرات إلى باب المندب والبحر الأحمر، والقوات الأوروبية أرسلت أيضا فرقاطات، وبريطانيا أرسلت ثلاث أو أربع فرقاطات، يعني “طوفان الأقصى” كان لها هذا التأثير، صحيح أن الحرب العالمية الثانية لن تتكرر بنفس الوسائل والأساليب والشمول، لكن “طوفان الأقصى” وضع مسرح حرب عالمية في المنطقة، في البحر الأحمر وفي البحر المتوسط، وفي الشرق الأوسط عموما، ما معنى المسيرات والصواريخ التي انطلقت من إيران إلى إسرائيل ثم قطر، ومشاركة دول عديدة في الدفاع عن إسرائيل بإزالة هذه المُسيرات، نعم ‘طوفان الأقصى” خلق مسرحا عملياتيا أشبه بالحرب الإقليمية والدولية، صحيح أنها لم تكن كالحرب العالمية الثانية، ورهانات تلك الحرب مختلفة تماما عن رهانات حرب “طوفان الأقصى”، ما زلنا هنا أمام حرب محدودة، وليست حرب شاملة، كما هي حال الحرب العالمية الثانية. كان ممكنا أن يتسع المسرح الذي خلقته هذه الحرب، وأن يتحوّل إلى حرب إقليمية وعالمية أوسع، لو هُزمت إسرائيل، أو لو تعرّضت إسرائيل لخطر وجودي جدّي، لكن الخطر الذي تعرّضت له إسرائيل جرّاء هذه الحرب، خطر حقيقي وكبير، لكنّه لم يكن مصيريا، لذلك بقيت الحرب في هذه الحدود.
4. برأيكم، ما الذي منع فعليا حزب الله من الدخول في الحرب الكاملة مُستفيدا من عنصر المفاجأة الذي أحدثته حماس ضد إسرائيل، واكتفى بما أسماه “حرب الإسناد”؟ وكيف تُفسّرون أن “أقوى انخراط فعلي في الحرب هو من اليمن”؟
لم يكن حزب الله يتمتّع بهامش كبير للمناورة في هذه الحرب، لو دخل في الحرب منذ اللحظة الأولى، وعمل على اجتياح الجليل كما كان مخططا، أو كما أُشيع أنه كان مخططا، لا نعرف بدقة إن كانت هذه الخطة قائمة أم لا، كانت الأنباء الإسرائيلية تفيد بأن الحزب لديه خطط باجتياح الجليل. لو فعل الحزب ذلك، لتدخلت الولايات المتحدة فورا، وهذا التدخل العسكري الفوري كان سيطال إيران، واليمن، وكل مواقع محور الممانعة في المنطقة، لذلك فُرض على حزب الله أن يخوض حربا محدودة، وأن يكون هامش المناورة بيد إسرائيل، وهذا أدّى إلى حرمان الحزب من حرية الحركة التي تمتّع بها عام 2006، اضطرّ الحزب في هذه الحرب أن يلتزم موقعا دفاعيا، كان يتلقّى الضربات دون أن يكون قادرا على ردّ الصاع صاعين كما كان يفعل من قبل، ناهيك عن الإصابات التي تلقّاها الحزب، وهي إصابات خطيرة جدا، تمت تصفية قياداته الأولى بما في ذلك القائد الرمزي للحزب ولمحور الممانعة السيّد حسن نصر الله، وبالتالي قدرة الحزب على التدخل في هذه الحرب بقوة وبفعاليّة كبيرة كانت محدودة، صحيح أنّه تمكّن من حمل إسرائيل على إبقاء قسم كبير من جيشها على الحدود مع لبنان، وبالتالي حرمانها من قوات كبيرة في غزة، وبذلك خفّف الضغط العسكري عن غزة، لكنّ هذا الهدف محدود قياسا بأهداف الحرب الكبيرة التي كان مخططا أن يتم خلالها الاجتياح، ورُبّما كان يحيى السنوار يفترض أنّه إذا تمكّن من اجتياح غلاف غزة، يُمكن أن يجتاح حزب الله الجليل وصولا إلى حيفا، وهذا يمكن أن يخلق جسرا بين الطرفين، يؤدي إلى إحداث شلل بإسرائيل، ولكن، أعتقد أن هذه الخطة إن كانت موجودة، “هذا تحليل وليس معلومات”، فمعنى ذلك أن التخطيط لطوفان الأقصى كان يُراد منه كسر ظهر إسرائيل، وهذا أمر ما كان متاحا بالطريقة التي لاحظنا فيها مُجريات الحرب
أما الانخراط اليمني في الحرب فهو ناجم عن استراتيجية اعتمدها أنصار الله الحوثيين في سياستهم الداخلية في اليمن، أنصار الله حاربوا الحكم في اليمن، تحت شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، والنّصر للإسلام”، هذا الشعار الذي كانت ترفعه الثورة الإسلامية الإيرانية لإسقاط حكم الشاه، اعتمدوا نفس الاستراتيجية الإيرانية، وجاءت حرب غزة لتختبر مدى التزامهم بهذا الشعار، وتمكّنوا من تأكيد التزامهم بهذا الشعار خلال الحرب عبر الصواريخ والمسيّرات التي أرسلوها، وعبر إقفال الملاحة البحرية في باب المندب.
في الواقع، قسم كبير من وسائل القتال التي استخدمها أنصار الله كان موجودا لدى النظام السابق في اليمن، وهو كانت لديه صناعة صواريخ وقوات صاروخية مؤهلة، وبالتالي، تمكّن أنصار الله من استخدام هذه الإنجازات، التي كانت موجودة، وربما طوّروها بمساعدة إيرانية، وكانوا في هذا الصدد، مرتاحين أكثر من غيرهم من الجبهات، لأنهم بعيدون عن الجبهة ضد إسرائيل، وكانت الأخيرة لا تتمتع بقدرة كبيرة على التصدي لهم، وجرّبت عدة مرات وحتى الولايات المتحدة جرّبت، وكانت نتائج التدخل الأمريكي ضعيفة ومحدودة، لذلك يُمكن القول بأن أنصار الله كانوا أكثر قدرة على التدخل، والأقل تعرّضا لردود الفعل، خاصة أنّهم يستفيدون من مساحة اليمن الكبيرة، حوالي أكثر من خمسمئة كيلومتر مربع، ومن التضاريس الجبلية، وهم ليسوا سُكّان مدن، الأصل هو أنهم سكان بالجبال، وقاعدتهم الأساسية في صعدة هي قاعدة جبلية، ولديهم بيئة حاضنة قادرة على حمايتهم، وقد استفادوا من كل هذه العناصر لكي يلعبوا دورا مُهمّا في هذه الحرب.
5. كيف تُفسّرون الاحتجاجات القوية في كبريات المدن الأوروبية والأمريكية وفي الجامعات ضد إسرائيل،؟ في المقابل، لم تخرج الشعوب العربية بنفس الزخم للتأثير في حكوماتها، ولم تتخذ الدول العربية أي إجراء قوي ضد إسرائيل؟
لم تتحرّك الشوارع العربية كما ينبغي، لأن الشعب العربي كما تعرف خرج من الربيع العربي منهكا، ناهيك عن أن البلدان التي كانت تتظاهر أصلا من أجل فلسطين وتُدافع عنها، تعرّضت لحروب أهليّة، وتغيرت نظمها وبعضها لم ينجح في إرساء استقرار وغرق في حروب أهلية، لذلك لاحظنا أنّ التحرّك الأقوى كان في بلدان المغرب العربي، في المغرب الأقصى مثلا، في الجزائر، في موريتانيا، في تونس إلى حدّ ما، في ليبيا أقلّ، ومفهوم أن “الربيع العربي” هو واحد من الأسباب التي حجّمت حركة الشارع العربي إزاء “طوفان الأقصى”.
ولكن، هناك سبب آخر مهم جدا وهو أن “طوفان الأقصى” تم تحت راية حماس، ودول الجامعة العربية عموما لا تؤيد حماس وهي ملتزمة بخط منظمة التحرير الفلسطينية وخط السلطة الفلسطينية المستقلة، وهذه السلطة لم تكن مع “طوفان الأقصى”، واعتبرت أن العملية مغامرة مضرّة بالشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، لذلك بقي التحرك العربي الرسمي تحت سقف السلطة الفلسطينية، وتحوّلت التحركات المؤيدة لفلسطين إلى الشارع الغربي الأوروبي عموما، لكن هذه الحركات ليست مرتبطة بإيديولوجيا حماس أو بنظرية حماس، يعني الشارع الأوروبي والغربي وشوارع العالم الثالث لم تكن مؤيدة للإخوان المسلمين ولحماس، كانت مؤيدة للقضية الفلسطينية عموما، وطبعا لم يطرح أحد في هذه الشوارع الأوروبية والغربية والعالمية انتقادات لحماس، لأن الأمر المطروح هو إبادة شعب غزة، وبالتالي كان الدفاع عن فلسطين وعن شعب غزة أكثر مما هو دفاع عن حركة حماس، والملاحظات بعض الحركات المؤيدة لفلسطين كانت تدين ما سُميّ ب “جرائم 7 أكتوبر” في إسرائيل.
6. هل يُمكن أن تؤدي خطوات وقرارات دول أوروبية مثل إسبانيا ضد إسرائيل إلى حدوث انقسام أوروبي حاد قد يؤدي إلى التفكك؟ وما مدى قدرة الدول الأوروبية المناهضة “لإسرائيل” في تفعيل وتنزيل قراراتها المتخذة؟
نعم هناك اختلاف في أوروبا، أبرز عناصره هو الاعتراف أو عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما تبقى هناك اعتراف شامل بالقضية الفلسطينية، وهناك استعداد لدعم القضية بأوجه مختلفة، والقسم المهم من أوروبا لا يريد توجيه نقد لإسرائيل، ونحن نعرف أن ألمانيا وإيطاليا، هاتان الدولتان البارزتان في أوروبا اللتان لم تعترفا بالدولة الفلسطينية، ولم تذهب بعيدا في انتقاد إسرائيل، بسبب ماضيها الفاشي والنازي تجاه اليهود هذا الماضي يُكبّل الدولتين، ويحول دون انتهاج سياسات شبيهة بالسياسة الفرنسية اتجاه القضية الفلسطينية والاعتراف بدولة فلسطين.
من جهة أخرى هناك اتسّاع في تأييد الدولة الفلسطينية والاعتراف بها ، والموقف الإسباني موقف ممتاز، وهو ناجم عن التغيير الذي شهدته إسبانيا، ذلك ان “إسبانيا فرانكو” ما عادت موجودة، إسبانيا الديكتاتورية التاريخية انتهت، وإسبانيا الاشتراكية والمنفتحة والتي تُعيد الاعتراف بماضيها العربي، إسبانيا دولة جديدة في أوروبا وتجربة جديدة، لذلك كان موقفها أكثر أهمية من مواقف الدول الأخرى، وربما هذا الموقف ذهب بعيدا عمّا ترغب به فرنسا مثلا، لكن هل يؤدي موقف إسبانيا وموقف فرنسا ومواقف بقية الدول الأوروبية إلى انقسام؟، الانقسام موجود حيال القضية الفلسطينية، ليس موجودا بطريقة واسعة وكبيرة، ولكنه موجود بشكل تباينات، وهذه التباينات ليست جديدة على الاتحاد الأوروبي، الذي عرف اختلافات أيضا من هذا النوع في قضايا أخرى في العالم، الاتحاد الأوروبي لديه مرونة كبيرة لدرجة أنه يمكن أن يستوعب هذه الاختلافات.
اما الانقسام الذي يؤدي إلى قطيعة فهو غير وارد، هذا أمر غير مطروح داخل الاتحاد الأوروبي، سواء تجاه فلسطين أو تجاه القضايا التي كانت مطروحة على الاتحاد من قبل.
