يتحوّل باب المندب، ذلك المضيق الضيق الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، إلى بؤرة تزداد سخونة في صراعٍ دولي متعدد المعالم، خلف الجغرافيا البحرية البسيطة تتراكم هندسة معقّدة من التحالفات المتبدلة، وسباقات التسلح، وعقود الموانئ، وممرات الطاقة والتجارة، لتصنع حلقة نار على الحافة الجنوبية لمسار قناة السويس- البحر الأحمر، تمتد من سواحل القرن الإفريقي إلى ضفّتي البحر الأحمر، في قلب المشهد هذا تتقاطع حسابات الولايات المتحدة والصين وروسيا، بينما تتزاحم القوى الإقليمية من مصر وأثيوبيا إلى إريتريا والسودان وتشاد على إعادة تعريف أمنها وحدود نفوذها.
المحرّك الأول اثيوبيا، فتسليح أديس أبابا المتزايد، بدعم صيني وروسي، لا يتصل فقط بحاجات دفاعية تقليدية، بل برغبة في تأمين عمق استراتيجي لهما يواكب مشروع الدولة المركزية بعد صراعات داخلية كبرى، واستمرار العمل في سد النهضة دون اتفاق شامل مع الدول التي يصب بها نهر النيل (مصر والسودان) يضع العلاقة مع مصر على مسار توتر مزمن، فبالنسبة لمصر ان مسألة المياه تكاد تكون معادلة وجودية للأمن القومي، ما يجعل أي تسوية ناقصة تهديداً طويل الأمد لا يعالج بإجراءات تقنية فقط، بل بترتيبات أمنية ومعاهدات سياسية مضمونة، وهنا يظهر باب المندب كذراع غير مباشر في معادلة الردع، من خلال حفظ أمن ممرات البحر الأحمر خاصة لعبور قناة السويس كجزء من معادلة الضغط والتطمين في ملف النيل وسد النهضة.
في المقابل، تقف إريتريا بالمنفذ البحري الصلب على جنوب البحر الأحمر كعقدة لوجستية وأمنية، ومع تلقيها دعماً أميركياً مباشراً تتخذ موقع موازِن مقابل النفوذ الصيني الروسي على الضفة المقابلة وفي العمق الإثيوبي، دعم واشنطن لأسمرة (عاصمة إرتيريا) لا يعني تحالفاً استراتيجيّاً مستقراً بقدر ما هو توظيف لموقع إريتريا لإقفال الثغرات أمام خصومها، وتأمين نافذة مرنة للتأثير في ممر الشحن العالمي عند نقطة اختناق بحرية بالغة الحساسية.
أما السودان وتشاد فباتتا مسرحاً مفتوحاً لتنافس أميركي روسي أكثر خشونة، ليس الأمر مجرد دعم فصائل تشادية في السودان أو تفاوض على قواعد، بل صنع بنى لوجستية تشكّل جسوراً نحو الساحل الأطلسي وإلى عمق الصحراء والساحل الأفريقي، إن اتساع الحشود والإمدادات العسكرية يوحي بأن اللاعبين الخارجيين يهيئون بيئة عمليات يمكن أن تتصل جغرافياً من القرن الإفريقي إلى غرب القارة، بما يتيح الضغط المتبادل عبر مسارات إمداد بديلة، هذان البلدان اللذان يعانيان من هشاشة سياسية واقتصادية يتحولان رغماً عنهما إلى مفاتيح للنفاذ الجيوسياسي، ما يزيد كلفة أي تسوية داخلية ويعقّد أفق الاستقرار.
على مستوى القوى الكبرى، تتقدم الصين بمنطق اللوجستيات كالموانئ وتدعيم المناطق الصناعية وتمويل للبنى التحتية يخلق اعتماداً طويل الأمد ويرسو حضوراً ثابتاً على ضفاف الممرات البحرية، روسيا تدخل بمزيج من الأدوات الأمنية والعسكرية والاتفاقات السيادية منخفضة الكلفة السياسية المحلية نسبياً، ما يتيح لها تموضعاً سريعاً في نقاط حساسة، بينما الولايات المتحدة الأميركية وإن كانت تمتلك شبكة تحالفات بحرية وجوية قوية الا انها تتحرك ببراغماتية ذلك لحماية تدفق التجارة العالمية ومنع خصومها من ترسيخ واقع ميداني دائم، فهي توازن بين الضغط والاحتواء وإبرام تفاهمات موضعية.
هذه اللوحة تجعل باب المندب ليس مجرد مضيق، بل منظار و مكبر يكشف بنية الصراع العالمي اليوم بين عدة أقطاب غير مستقرين و أدوات نفوذ قد تعتبرهجينة، وحدود رخوة بين الأمن الاقتصادي والعسكري بأبعاد ثلاثة:
– أمن الطاقة والتجارة الدولية، إذ إن أي اضطراب في المضيق ينعكس فوراً على سلاسل الإمداد وأسعار الشحن والتأمين.
– أمن المياه والإقليم، حيث تداخل ملف سد النهضة مع حسابات الردع الإقليمي.
– هندسة التحالفات، مع ميل القوى المحلية إلى تعدد الرعاة لكسب هامش مناورة أكبر، ما يعقّد جهود الوساطة ويطيل أمد الأزمات.
من حيث السيناريوهات، يلوح ثلاثة مسارات:
تثبيت توازن ردع هش مثل انتشار قوات ورقابة بحرية موسّعة، تفاهمات غير معلنة لتفادي الاحتكاك، وضبط للصراعات بالوكالة دون انفجار شامل، هذا المسار مرجَّح على المدى القريب إن توافرت قنوات اتصال فعّالة بين العواصم الكبرى.، اما تصعيد متدرّج يتغذّى من حادث بحري أو انهيار تفاوضي حول مياه النيل أو منزلق في السودان/تشاد، فيعيد خلط الأوراق ويفرض إعادة تموضع عسكري، مع ارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتوسّع العمل بالهجمات غير المتناظرة، او تهدئة مُدارة عبر ترتيبات متعددة المسارات تشمل مساراً فنياً ملزِماً حول سد النهضة، وضوابط على الوجود العسكري الأجنبي، وآليات تنسيق بحري إقليمي برعاية دولية، مع حوافز اقتصادية للحكومات المعنية.
فما الذي يمكن أن يخفف المخاطر؟ أولاً، فصل مسارات التفاوض لأن ملف مياه النيل يحتاج إطاراً قانونياً ملزماً ومدعّماً بضمانات دولية وأدوات تنفيذ، بعيداً عن ابتزاز الممرات البحرية، ثانياً، إنشاء مجموعة اتصال للبحر الأحمر وباب المندب تضم الدول الساحلية والقوى البحرية المعنية لوضع قواعد اشتباك بحرية واضحة وآليات إنذار مبكر، ثالثاً، ربط الاستثمارات اللوجستية في الموانئ والبنى التحتية بمعايير شفافة تحول دون تحويلها إلى أصول مزدوجة الاستخدام العسكري دون إشراف،رابعاً، دعم مسارات الاستقرار في السودان وتشاد عبر ترتيبات أمنية انتقالية واقتصاديات حوافز مشروطة، لتقليل فُرص الارتزاق الجيوسياسي.
بينما في الضفة الاخرة نجد اليمن كموقع جيوسياسي هو الذي يملك الساحل الأطول على جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، وهو الذي يسيطر عبر جزيرة ميون على مدخل باب المندب، فأي تغيّر ميداني في تعز و الحديدة أو الساحل الغربي ينعكس فوراً على أمن الملاحة.
إن امتلاك الحوثيين لقدرات صاروخية ومسيّرات وألغام بحرية أتاح لهم ضغطاً مباشراً على سفن الشحن وناقلات النفط الغربية في البحر الأحمر، فيتم استخدام المضيق كورقة تفاوض إقليمية ودولية لان الاستهدافات رفعت أقساط التأمين وكلفت مسارات التفافية عبر رأس الرجاء الصالح، و الدعم الإيراني للحوثيين يقوي نفوذ طهران نسبياً في بوابة البحر الأحمر، في المقابل الإسرائيلي يتمثل بعمليات ردع وضربات محدودة واصطفافات بحرية متعددة الجنسيات، ما يعقّد الملاحة ويزيد احتمالات سوء التقدير.
لذلك فان كل موجة تصعيد يمنية تُترجم فوراً في الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، وتؤثر على صادرات آسيا إلى أوروبا وعلى تدفقات الطاقة من الخليج، وعليه لا يمكن فهم حلقة النار هنا دون إدراج اليمن كمسرح حاسم يربط البرّ بالساحل وكذلك باب المندب ليس هامشاً في صراعٍ بمكانٍِ آخر، بل إنه مركز ثقله البحري، ومن القرن الإفريقي إلى الصحراء الكبرى، ترسم خطوط التماس اليوم ملامح الغد فإن لم تُبنَ معادلات ردع واضحة تكون قابلة للإدارة ستبقى رقعة النار الجنوبية مصدر عدوى جيوسياسية يتجاوز أثرها الإقليم والمنطقة إلى النظام الاقتصادي العالمي بأسره.
