فى الوقت الذى مازالت شعبية كاتب مثل باولو كويللو كاسحة بسبب بساطته المتناهية والتى تصل فى تقدير البعض إلى حد السذاجة، تزداد جائزة نوبل فى الأدب توغلا فى مكافأة الكتاب الذين تتسم كتاباتهم بالغموض والتعقيد، ومن بين هؤلاء الكاتب المجرى الكبير لازلو كراسناهوركاى (71 عاما) الفائز بالجائزة هذا العام، والذى يتم وصفه فى كل المراجع بأنه كاتب صعب القراءة وأن أعماله – التى تنتمى لاتجاه ما بعد الحداثة – تتسم بكثير من الغموض.
على أن أعمال كراسناهوركاى الروائية تتسم فى نفس الوقت بقدرتها الفائقة على تصوير رعب الحياة العصرية التى يتوارى فيها البعد الإنسانى ويعيش فيها الإنسان فى حالة من البؤس والخوف والإضطهاد، ومن هنا فكثيرا ما أطلق عليه وصف كافكا العصر الحالى، فهناك الكثير مما يربطه كراسناهوركاى بالكاتب التشيكى الشهير، بل وبالمدرسة الروائية الخاصة بأوروبا الشرقية، وبالذات المجر ورومانيا وبولندا، وقد ترجمت أعماله إلى معظم اللغات الأوروبية، وأذكر أننى شاهدت منذ سنوات فى أحد معارض الكتاب العربية ترجمة عربية لروايته الأولى «تانجو الخراب» التى نشرتها دار التنوير فى تونس وقام بترجمتها الحارث النبهان، والحقيقة أن لازلو كراسناهوركاى مدين بشهرته لهذه الرواية التى صدرت بالمجر عام 1985 باسم Satantango أى تانجو الشيطان وذاع صيتها على الفور وسرعان ما تحولت إلى فيلم سينمائى يستغرق عرضه سبع ساعات كاملة(!) وقد صور فيها مجموعة من البؤساء الذين لا يملكون قوت يومهم يعيشون فى مزرعة مهجورة بأقاصى الريف المجرى فى السنوات الأخيرة للحكم الشيوعى للبلاد، إلى أن تظهر بينهم شخصية قائد مخادع كانوا يظنونه قد مات لكنه يعود كالشيطان الذى لا يعرف الموت فيزيد من خوف الناس ويضعهم جميعا فى حالة من الترقب لما سيأتى: هل هو الخلاص؟ أم يوم القيامة؟ وتتوالى روايات لازلو كراسناهوركاى فى نفس الاتجاه فيطلق عليه لقب «ملك الخراب»، وإذا كانت لجنة نوبل قد وجدته جديرا بجائزتها الأدبية لهذا العام، فإن ملكا آخر من ملوك الخراب السياسى والاقتصادى والاجتماعى كان يسعى جاهدا للحصول على جائزتها للسلام، فحسنا فعلت أنها لم تجده جديرا هو الآخر بجائزتها.
المصدر: جديدة الاهرام
جرة قلم/محمد سلماوى، أديب وكاتب مصري، درس اللغة الإنجليزية بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وتخرج فيها عام 1966، ثم حصل على دبلوم مسرح شكسبير بجامعة أكسفورد بإنجلترا عام 1969، ثم التحق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وحصل على درجة الماجستير في الاتصال الجماهيري عام
