حيدر حيدورة

أسابيع قليلة قبل الاحتفال بثورة نوفمبر المجيدة فقدت الجزائر أحد ابنائها المناضلين والشريك في هذه الثورة : أحمد طالب الإبراهيمي ابن البشير الإبراهيمي أحد أقطاب النهضة و الحركة الإصلاحية في الجزائر ورئيس جمعية العلماء المسلمين التي كان لها دور أساسي في بعث روح النضال والثورة ضد المستعمر الفرنسي.
أحمد طالب الإبراهيمي الذي تربى في بيت الفكر والعلم والنضال لم يستسلم لصعوبات المرحلة الاستعمارية وواصل تعليمه في المدارس والجامعات التي كانت تحت الإدارة الفرنسية حتى نَيلِه شهادة طبيب عام في الجزائر العاصمة قبل انطلاق الثورة ، ثم توجّه إلى باريس لاكمال دراسته حتى حصوله على شهادة طبيب متخصص بأمراض الدم، وكان له في الوقت عينه نشاط تحرري و ثوري مع الجزائريين المقيمين على الأراضي الفرنسية والتحق بحزب جبهة التحرير الوطني. وبسبب هذا النشاط تم اعتقاله في باريس ومن الصدفة أنه اعتقل في نفس السجن الذي كان يعتقل فيه زعماء الثورة حسين آية أحمد، محمد بوضياف، أحمد بن بلة، ومحمد خيضر ومصطفى الأشرف الذين اختطفتهم فرنسا بعد قرصنة طائرتهم التي كانت تنقلهم من المغرب إلى تونس. وقد اتاحت هذه الصدفة لأحمد طالب الإبراهيمي الاحتكاك بهؤلاء الزعماء والنقاش معهم مما عزز الشعور الوطني لديه من أجل مواصلة الكفاح لأجل استقلال الجزائر.
بعيد الاستقلال وعودته إلى الجزائر توجه أحمد طالب الإبراهيمي للعمل كطبيب مختص في كبرى مستشفيات العاصمة الجزائرية مما فتح له المجال ليبدأ مسيرته المهنية والسياسية والتعرف على قيادات الجزائر على كافة المستويات وكان المنصب الوزاري الأول الذي ترأسه هو وزارة التربية والتعليم في منتصف سبعينات القرن الماضي تحت سلطة الرئيس الراحل هواري بومدين ومن خلالها بدأ الإبراهيمي مرحلة تعريب البرامج التعليمية معتبرا ذلك ركيزة أساسية لترسيخ الهوية الوطنية بعد عقود من الاستعمار الثقافي الفرنسي الذي حاول طمس هذه الهوية. ومن بعدها واصل الإبراهيمي مشواره الوزاري عبر العديد من الوزارات كالاعلام والخارجية في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد .ولكن مع بداية العشرية السوداء وبداية مشروع الحرب الأهلية في الجزائر بين الجماعات الإسلامية المسلحة والسلطة حاول الإبراهيمي التوسط بين كافة الافرقة لوقف سفك الدماء ومحاولة إيجاد حل وسطي بين السلطة والجبهة الإسلامية للإنقاذ ولكنه لم ينجح وحاول الترشح للانتخابات الرئاسية في مواجهة المرشح عبد العزيز بوتفليقة في عام 1999 ولكنه اعتبر أن السلطة منحازة لبوتفليقة مما أدى إلى انسحابه مع المرشحين الآخرين وتركوا بوتفليقة مرشحا وحيدا في المعركة وحاول من بعدها تشكيل حزب سياسي ولكن ملف الاعتماد رُفض باعتبار أنّ عددا من مؤسسي الحزب كانوا أعضاء سابقين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
انسحب الإبراهيمي من الحياة السياسية العلنية وتفرغ للتأليف والمحاضرات الفكرية خاصة وأنَّه صاحب فكر إسلامي منفتح وقارئ نهم يملك مكتبة فيها الآلاف من الكتب القيمة و النادرة كان لي الفرصة أن أطلع عليها من خلال زياراتي له عندما عملت مراسلا في الجزائر.
وللعلم فقد تبرع الإبراهيمي بكتبه هذه منذ سنوات للمكتبة الوطنية في الجزائر ولكن رغم كبر سنه و ابتعاده عن كواليس السياسة فإنه بقي يعتبر واحدا من القلائل مع الرئيس الراحل اليمين زروال الذين يستمع إليهم كبار أهل السلطة والنفوذ وحظي منذ سنوات بزيارة هامة للرئيس عبد المجيد تبون للإطمئنان على صحته وأيضا للنقاش معه في جوانب التغيير الشامل الذي شرع به تبون آنذاك من أجل مراجعة الدستور.
أحمد طالب الإبراهيمي كان داعمًا دائمًا للقضية الفلسطينية وأيضا للشعب اللبناني ومقاومته ضد الاحتلال الإسرائيلي خاصة وانه صهر لبنان ،وزوجته لبنانية. وهو من القلائل الذين بقوا في الجزائر قادرين على جمع كافة تناقضات الساحة السياسية الجزائريّة وكل الاطراف والأطياف، وبقي حتّى الرمق الأخير من حياته يعمل على تعزيز النقاش والحوار لأجل جزائر سيّدة ومستقرّة .
لا شك أن برحيله تفقد الجزائر عَلَمًا وطنيًّا، وصرحًا ثقافيًّا، وقامة نضاليّة كبيرة.
