- نشرت صحيفة The Boston Globe قبل فترةٍ مقالًا لصحافي أميركيّ، كانَ مراسلًا للبيت الأبيض، يتناولُ فيه أهمية قراءة مسرحية الكاتب الفرنسيّ الرومانيّ، أوجين يونيسكو “وحيد القرن” بُغية إدراك عهد دونالد ترامب. وإذ يُحذّر المؤلِف في مسرحيّته الطليعية المكتوبة عام 1959، من قوة الفاشية والتفكير الجمعيّ الاستبداديّة، يرى الصحافي الأميركيّ أنها تنطبق بجدارة على أميركا دونالد ترامب.
ذاتَ يوم، ظهرَ في إحدى البلدات الفرنسيّة الهادئة حيوانٌ من فصيلة وحيد القرن، ثمّ تلاهُ آخر. وهكذا أخذ سكّان المدينة يتحوّلون إلى “وحيد القرن”، واحدًا تلو الآخر. في البداية، شعرَ السكان بالصدمة والعار، وتساءلوا عمّا عليهم أن يفعلوه في وجه هذه الوباء! لكنهم سرعان ما يُغيِّرون رأيهم، وبعد إدانة التحوّل، ينتهي بهم المطاف بالتحول إلى هذا الكائن الغريب.
بيرانجيه Bérenger، ذاك الموظف الحكوميّ البسيط، الذي يُنظر إليه على أنه ضعيف، والذي يميلُ إلى تعاطي الخَمْر لكي يقتُل الملل، أبى إلا أن يقاوم التحوُّل ويحافظ على إنسانيّته. وفي نهاية المسرحية، بقِيَ وحدَه واقفًا على خشبةِ المسرح، مُحاطًا بحيوانات مُفترسة كانت ذاتَ يومٍ من أصدقائه وزملائه وجيرانه، وحيدًا عاجزًا، يُخاطِبُ الجمهور قائلاً: “الويل لِمَن شاءَ أنْ يُحافِظَ على أصالته!”.
قد تبدو المسرحية مأساويةً، لكنها في الحقيقية تُثير الضحك. أوَلا يُقال شَرُّ البليّةِ ما يُضحك. يستذكر الصحافي الأميركيّ قهقهة الجمهور عندما يشرح أحد أبناء البلدة (والذي كانَ من أكثر مُعارِضي التحوُّل إلى وحيد القرن) سبب تغيير رأيه والتحاقه بالقطيع: “علينا أن نواكبَ العصر! “.
ولكن عما يتحدث هذا العمل التراجيكوميديّ؟ يتحدَّث عن الفاشية، في رأي الصحافيّ الأميركيّ، كما شرح له والده، وبصورةٍ أدقّ، عن الجبن والانتهازية التي أظهرها أشخاص أذكياء وعقلاء عندما انحازوا إلى النازيين، أو غضُّوا الطرف عن جرائمهم. هذا السلوك الذي شهده عندما كان طفلاً في ألمانيا النازية. وهو ما أكده يونيسكو، عندما قال إنه استند في مسرحيته المذكورة إلى تجاربه في رومانيا بين الحربين العالميَّتين، أثناء صعود الحرس الحديدي، الحركة الفاشية في البلاد. لكنه أشارَ أيضًا إلى أن الأمر لا يتعلق بالنازية فحسب، بل يتعلَّق بأشكالِ الشموليّة والفاشيّة كافّةً. أمّا ما يستنكره الكاتب ـ قبل كلّ شيء ـ فهو الامتثال والتبعية، وغياب الذهن النقدي والشكّ، والانقياد الأعمى لِغريزة القطيع.
تعودُ بالصحافيّ الأميركيّ الذاكرةُ إلى مسرحيّة وحيد القرن كلّما شَهِدَ تآكل الديمقراطية الأمريكية المُمنهَج، حيث ينحني شخصٌ تلو الآخر ومؤسسةٌ تلو الأخرى أمام دونالد ترامب وحركتِه الاستبدادية “لاستعادة عظَمة أميركا من جديد”. حتّى إنّ خطاب ترامب نفسه يعكسُ نَبْرَةَ المسرحيّة. حيث تقول إحدى الشخصيات تعليقًا على مقالات صحفيّة عن ظهور وحيد القرن المفاجئ في البلدة :”لا أُصدّق الصحفيين. كلّهم كاذبون”. وتقول شخصيّةٌ أُخرى: “لقد أكل الزمان على الإنسانيّة وشرب”. “ما هذه العواطفُ السخيفة”، وأمّا “الأخلاق فقد سئمنا مفهومَها. علينا أن نتخطّى هذا المفهوم”.
وماذا عن الخارج، عن خارج أمريكا بعد أن شَهِدَ شاهدٌ من أهلها على ما آلت إليه في عَهْدِ ترامب؟
يبدو المشهد أكثر فداحةً في الخارج، تحولاتٌ جذريّة يلتحق بها القومُ طوعًا باسم مواكبة العصر والبراغماتية، تحتَ شعارِ “السلام” بمفهوم ترامب، متناسينَ أنّه “السّلام المفروضُ بالقوة”* الذي طالما كان أساس السياسية الخارجية الأميركيّة في العالم. إذ تتلاشى الديبلوماسيّة أمام صخب التصريحات الرئاسيّة على وسائل التواصل الاجتماعيّ، والاستسخاف بحكّام العالم وشعوبهم وصحافتهم في الزيارات الرسميّة … هاهنا تتقهقرُ اللغة ليعلو مفهوم “ما بعد الحقيقة”* أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى .. فليس لها بَعْدُ من أهمية تُذكَر أمام قوة الأمر الواقع. أجل، فبينَ عشيّةٍ وضُحاها، يغدو الإرهابيُّ المطلوبُ على قوائم الإرهاب بطلاً مُحرِّراً يُسهِم في رَسْمِ خريطة الشرق الأوسط الجديد، على حين أنّ الحروب الطاحنة ما تزال تُدير رَحاها في غزة واليمن وجنوب لبنان باسم “مكافحة الإرهاب”!!!.
وأمّا نحنُ العرب فَنجيدُ ـ كالعادة ـ الإذعانَ بامتياز. نصفّق لخطط السّلام المزعوم، وهي خططٌ لا كلمةَ لأصحاب الأرض فيها ولا قرار، بعد أن ضَحُّوا بما لا يحصى من نفوسٍ وافتدوا بأنهارٍ من الدِّماء. ترانا نغض الطّرف عن أنّ ذلك كلّه ما هو إلّا “استسلام بالقوة” أمامَ تياّر الصهيونيّة الجارف، الذي لم توفّر سِهامه حتى الدول التي استقبلت ترامب في “جولته التريليونيّة”. حينها شعرَ العربُ ـ للَحظةٍ ـ أنّ مصيرهم واحد أمام هذا المشروع، لكنّهم سرعانَ ما نَسوا…أجل!
تُدينُ مسرحيّة “وحيدُ القرن” الفكرَ الجمعيّ والفاشيّة بأشكالها المُختلِفَة. أمّا في عصرنا هذا، فهي تمثّل الصهيونيّة بكلّ تفرعاتها. ولو كنتَ بيننا يا بيرانجيه، لرأيتَ أنّ “المقاومة” باتت من كبائر التُّهم، وأن من بقي على إنسانيته ومبادئه يخشى أن يأتي يوم لا يرى فيه سوى ظلالِ “وحيد القرن”!.
• “السّلام عبرَ القوّة” : يعودُ هذا المفهوم إلى زمنِ الإمبراطوريّة الرومانيّة، حيثُ كتب الخبير العسكريّ فيجيتوس: “من أرادَ السّلام، فليستعدّ للحرب”. وهوَ شعارٌ ارتبط أيضًا بالرئيس الجمهوريّ رونالد ريغان، الذي رفع ميزانية الدفاع إلى حدّ كبير لمواجهة الاتحاد السوفييتيّ في ثمانينيات القرن الماضي.
• ” ما بعد الحقيقية” : مصطلح يُّشير إلى الطرق التي تلجأ إليها الخطابات السياسيّة ووسائل الإعلام معتمدةً على التلاعب العاطفيّ وتزييف الحقائق لتحقيق غايتها.
كما اختارت قواميس أوكسفورد في العام 2016 هذه العبارة كمصطلحِ العام، نتيجةَ انتشارِ هذا النوع من الخطابات والأساليب الإعلاميّة.
