د. محمد سليمان فايد: قبل ساعات قليلة، استيقظت المنطقة على خبر عملية نوعية جديدة هزّت معبر الكرامة الحدودي بين الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد أن أطلق مسلّح النار على جنود إسرائيليين أرداهما قتيلين وأصاب آخرين، قبل أن يعلن جيش الاحتلال عن “تحييد المنفذ”. الرواية الإسرائيلية تحدثت عن شاب وصل في شاحنة مساعدات إنسانية قادمة من الأردن إلى غزة، ترجّل منها وأطلق النار، ثم واصل هجومه بالسلاح الأبيض بعد تعطل سلاحه، في مشهد يكشف حجم الاحتقان المتراكم نتيجة السياسات الإسرائيلية.
هذه العملية التي وقعت اليوم ليست حدثًا منفصلًا، بل تأتي امتدادًا لسلسلة من العمليات الفردية والجماعية التي شهدتها الحدود الأردنية والمصرية عبر العقود، والتي كثيرًا ما ارتبطت بالجرائم والانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل، خصوصًا في غزة وسيناء.
فالمجازر اليومية في القطاع منذ أكثر من عامين، حيث قُتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال، وأُصيب مئات الآلاف وشُرّد مثلهم، خلقت بيئة من الغضب الشعبي في العالم العربي، تجلّت بين حين وآخر في أشكال من المقاومة الفردية.
إرث دموي على الحدود
لم يكن معبر الكرامة بعيدًا يومًا عن مشهد الصراع. ففي سبتمبر/أيلول 2024، نفّذ الأردني ماهر الجازي عملية مماثلة قتل فيها ثلاثة حراس أمن إسرائيليين عند المعبر نفسه. واليوم، تعود الحدود لتشتعل من جديد بعملية مشابهة، تحمل الرسالة ذاتها: أن الضغط يولّد الانفجار مهما طال الزمن.

على الجانب المصري، ما تزال الذاكرة الشعبية تستحضر عمليتي البطلين سليمان خاطر وأيمن حسن. الأول أطلق النار عام 1985 على مجموعة جنود إسرائيليين كانوا يحاولون اختراق الحدود في سيناء، ليُحاكم لاحقًا وتتحول قصته إلى أيقونة وطنية. أما أيمن حسن، فترك بصمة دامية في عملية “رأس النقب” عام 1990، حين قتل 21 جنديًا إسرائيليًا وأصاب نحو 20 آخرين، بينهم ضباط بارزون في الموساد والجيش الإسرائيلي.

وفي يونيو 2023، عاد اسم الجندي المصري محمد صلاح إلى الواجهة، بعد أن نفذ عملية على الحدود مع فلسطين المحتلة قتل فيها ثلاثة جنود إسرائيليين. تحوّل محمد صلاح بدوره إلى رمز شعبي جديد، يجسد استمرارية الغضب الشعبي من الممارسات الإسرائيلية.

جذور الغضب العربي
المتابع لمجريات الأحداث في غزة منذ 2023 يدرك أن المشهد الحالي لم يأتِ من فراغ. آلاف الغارات الإسرائيلية دمّرت القطاع بشكل شبه كامل، وقتلت عشرات الآلاف، بينما يعيش الناجون في ظروف إنسانية كارثية. هذه السياسات، بما تحمله من استهتار بالأرواح وحقوق الإنسان، باتت وقودًا يغذي حالة الغضب لدى الشعوب العربية، سواء بين المدنيين أو حتى بين الجنود المرابطين على الحدود.
كما أن الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة على الحدود مع مصر والأردن لعبت دورًا في تصاعد هذا التوتر. الحوادث التي تخللتها عمليات إطلاق نار، أو تجاوزات الجنود الإسرائيليين بحق الجنود العرب، تُضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات، تجعل من كل عملية تقع اليوم امتدادًا طبيعيًا لخط تاريخي لم ينقطع.

فحين يُقتل عشرات الأطفال يوميًا في غزة، وحين تُحاصر مدن بأكملها وتجرف الأراضي وتُحرق البيوت، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام العربي بأن العلاقات الطبيعية مع إسرائيل يمكن أن تستمر بلا ثمن. العمليات الفردية إذن، سواء من جنود أو مدنيين، تحمل رسالة بأن الغضب العابر للحدود لا يعرف قيودًا، وأن الدم الفلسطيني المسفوك يجد دائمًا من يذكّر به.
عملية الكرامة اليوم، التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات التي تكشف أن سياسات الاحتلال تدفع المنطقة نحو المزيد من التصعيد.
