المهق (Albinism) هو اضطراب وراثي نادر ناتج عن خلل في الجينات المسؤولة عن إنتاج مادة الميلانين، وهي الصبغة التي تعطي الجلد والشعر والعينين لونها الطبيعي. يؤدي هذا الخلل إلى غياب الميلانين أو نقصه بشكل كبير، ما يجعل بشرة المصاب شديدة البياض أو شاحبة، وشعره فاتح اللون، وعينيه حساسة للغاية للضوء. وتنعكس آثار المهق الصحية في ضعف البصر، والحساسية المفرطة لأشعة الشمس، وزيادة خطر الإصابة بسرطان الجلد في المناطق المشمسة، فضلًا عن التحديات النفسية والاجتماعية التي تترتب على اختلاف المظهر الخارجي للمصاب.
ويشهد شهر سبتمبر من كل عام في جنوب إفريقيا فعاليات الشهر الوطني للتوعية بالمهق، وهي مناسبة تهدف إلى نشر الوعي المجتمعي بحقيقة هذه الحالة الوراثية النادرة، والتصدي للتمييز والعنف الذي يطال المصابين بها. المهق، الذي ينتج عن غياب أو نقص الميلانين المسؤول عن تلوين الجلد والشعر والعينين، لا يمثل تحديًا صحيًا فحسب، بل يفتح أيضًا الباب أمام معاناة اجتماعية ونفسية نتيجة الوصمة والتمييز.
ورغم أن التحديات الصحية مثل ضعف البصر والحساسية المفرطة لأشعة الشمس تشكل عبئًا على المصابين بالمهق، إلا أن الأخطر يتمثل في الاعتداءات العنيفة والجرائم الوحشية التي يتعرضون لها في عدة دول إفريقية. فقد وثّقت منظمات حقوقية وأممية مئات الحوادث خلال العقدين الماضيين، شملت القتل والاختطاف والتشويه والاتجار بالأعضاء، في سياق معتقدات خرافية تزعم أن أعضاء المصاب بالمهق تجلب الحظ أو الثروة. هذه الانتهاكات تتنوع بين موجات عنف جماعية كما حدث في تنزانيا ومالاوي، وبين اعتداءات فردية مسجلة في دول مثل موزمبيق، الكونغو الديمقراطية، زيمبابوي وجنوب إفريقيا. ويُعد النساء والأطفال الفئة الأكثر تعرضًا للخطر، إذ يتم استهدافهم بالاختطاف والاستغلال على نحو متكرر.
تشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن انتشار المهق في إفريقيا جنوب الصحراء مرتفع نسبيًا، حيث قد تصل النسبة إلى حالة واحدة بين كل خمسة آلاف شخص في بعض المناطق، مقارنة بانتشار أقل بكثير في بقية أنحاء العالم. هذا الانتشار اللافت يفسر جزئيًا كثافة الظاهرة وتعدد الحوادث، لاسيما في المناطق الريفية التي تغيب عنها التوعية وتضعف فيها سيادة القانون.

وتعكس هذه الاعتداءات تأثيرًا عميقًا على حياة المصابين بالمهق. فإلى جانب الأضرار الصحية الملازمة للحالة، يعاني هؤلاء من الخوف الدائم من الهجوم، ومن صعوبات في الاندماج داخل المجتمع، وحرمان من التعليم والعمل، فضلاً عن الأثر النفسي البالغ الناتج عن الوصمة والتمييز. إنهم يعيشون في دائرة مغلقة من العزلة والتهميش، تفرضها معتقدات خرافية وممارسات عنف يصعب اقتلاعها دون وعي جماعي وجهد منظم.
في مواجهة ذلك، تسعى حكومات المنطقة والمنظمات الحقوقية إلى وضع القضية في صدارة الاهتمام. فقد أصدرت مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (SADC) في قمتها بهراري في أغسطس 2024 إعلانًا يلزم الدول الأعضاء بتبني إجراءات صارمة لحماية المصابين بالمهق من العنف والاتجار والتمييز، كما أطلقت جنوب إفريقيا حملات توعية تحت شعار: “المطالبة بحقوقنا: حماية بشرتنا، الحفاظ على حياتنا”، ركزت على تفكيك الأساطير الضارة وإبراز إنجازات ومواهب المصابين بالمهق باعتبارهم جزءًا أصيلًا من المجتمع.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ما هو أكثر من سن القوانين؛ فهي تحتاج إلى بناء وعي عام يرفض الخرافة والتمييز، ويعزز قيم المساواة والشمول. وعبر الجهود التعاونية، يمكن بناء مجتمعات تحترم الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية لكل فرد، بغض النظر عن لون بشرته أو حالته الوراثية.
