د. محمد الحوراني:

ليس جديدًا أن يُطرح سؤال المسيحيين العرب في المشرق، لكن ما يستحق التوقف عنده هو أن يصبح انتماء مواطن إلى وطنه موضع سؤال أو شك بسبب دينه، أو أن يُطلب منه إثبات أصالته وولائه، وكأنه وافد يحتاج إلى الاعتراف بحقه في المكان. هنا ستتعلق المسألة بمفهوم المواطنة نفسه، وبطبيعة الدولة التي نريدها، وبقدرتنا على النظر إلى أبناء الوطن بوصفهم متساوين في الحقوق والانتماء، لا جماعات يتفاوت حقها في المكان تبعًا لهويتها الدينية.
لطالما كان المسيحيون العرب جزءاً من تاريخ المشرق وثقافته وحياته العامة، كما أنهم أسهموا في تشكيل ملامح من هويته العربية الحديثة. غير أن استعادة هذا التاريخ على أهميتها لا ينبغي أن تتحول إلى محاولة لإثبات حقهم في الانتماء، فالمواطنة لا تُكتسب بحجم الإسهام الحضاري ولا تُمنح مكافأةً على دور تاريخي. لأنها حق أصيل لكل مواطن، لا يتوقف على دينه أو طائفته ولا يحتاج إلى شهادة من أحد.
من هنا فإن السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس كيف يُثبت المسيحيون العرب انتماءهم إلى المشرق، بل لماذا يحتاج هذا الانتماء إلى إثبات أصلًا؟
تاريخ مشترك لا يحتاج إلى تبرير
يكشف تاريخ المشرق عن تداخل طويل بين مكوناته الدينية والثقافية، فقد تعايشت فيه الجماعات والأديان وشاركت بدرجات متفاوتة وفي ظروف متباينة، في بناء الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية. ولم يكن المسيحيون العرب خارج هذا المسار، فقد كان لهم حضور بارز في النهضة العربية الحديثة من خلال الصحافة والتعليم والترجمة والأدب والفكر وغيره من الفنون، فضلاً عن دورهم النضالي الوطنيّ
فحين بدأت النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر، كان المسيحيون العرب في قلب أسئلتها الكبرى. ففي المدارس والصحافة والترجمة والأدب والفكر، برزت أسماء أسهمت في صياغة الوعي العربي الحديث، وطرحت أسئلة الحرية والتقدم والتعليم والإصلاح. ولم ينظر أصحاب كثير من هذه المشاريع إلى أنفسهم كممثلين لطائفة فحسب، وإنما كجزء من مشروع عربي أوسع. فمن بطرس البستاني إلى فرح أنطون، ومن إبراهيم اليازجي إلى جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، ومن رفيق رزق سلوم إلى الخوري يوسف الحايك وفارس الخوري عشــــرات الأسمـــــاء التي تركت أثرها في النضال والصحافة والتعليم والأدب والسياسة، تبدو مساهمة المسيحيين العرب في الحياة العربية الحديثة جزءاً من التاريخ العربي لا فصلًا منفصلًا من تاريخ طائفة بعينها أو دين دون غيره.
وهنا تكمن إحدى المشكلات التي تواجهنا اليوم: فحين نعيد تصنيف هؤلاء بعد قرن أو أكثر على أساس طائفي أو ديني، فإننا نختزل تجاربهم في انتماء واحد، ونحوّل مثقفاً عربياً إلى “مسيحي”، وسياسياً عربياً إلى “مسيحي”، وأديباً عربياً إلى “مسيحي”، وكأن انتماءه الديني كان هويته الوحيدة، بينما تجاوزت مشاريع كثير منهم هذه الحدود إلى أسئلة الإنسان والوطن والأمة والثقافة.
إن المسيحي العربي لم يكن خارج سؤال العروبة، بل إن التجربة العربية الحديثة تشكلت في جانب مهم منها، من خلال تفاعل المسلمين والمسيحيين العرب، ومن إدراك أن اللغة والثقافة والتاريخ والمصير المشترك يمكن أن تكون جسوراً تتقدم على الاختلاف الديني.
غير أن المشرق العربي دخل خلال العقود الأخيرة مرحلة مختلفة، فالحروب والصراعات السياسية وصعود الخطابات الطائفية والتدخلات الخارجية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل أسهمت في دفع أعداد كبيرة من المسيحيين العرب إلى الهجرة، وأفرغت بعض المدن والقرى من حضور مسيحي كان جزءاً أصيلاً من تكوينها التاريخي.
في الواقع لا تكمن أهمية هذا الحضور في أنه يمنح المسيحيين العرب حقاً إضافياً في أوطانهم، وإنما في كشفه طبيعة التاريخ الذي تشكلت فيه مجتمعات المشرق. فالثقافة العربية لم يصنعها مكوّن ديني واحد، كما أن الانتماء إلى اللغة والثقافة والمجال الحضاري المشترك لم يكن حكراً على أتباع دين بعينه.
إن استعادة هذه الإسهامات ضرورية لمواجهة النسيان والاختزال، لكنها تصبح محدودة الأثر إذا تحولت إلى سجلّ للمآثر نحتج به كلما شكّك أحد في انتماء جماعة إلى وطنها. فلو لم يترك المسيحيون العرب أثراً في النهضة أو الفكر أو الأدب، أكان ذلك ينتقص من حقهم في المواطنة؟ وهل يحتاج المواطن إلى أن يثبت أنه أسهم في بناء وطنه كي يُعامل بوصفه واحدًا من أبنائه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد الفرق بين الاعتراف بالتاريخ واستخدام التاريخ شرطًا للقبول. فالأول يعيد إلى الذاكرة ما قد يكون تعرض للإغفال، أما الثاني فيُبقي الانتماء رهيناً لمحاكمة متجددة، وكأن الحق في الوطن لا يستقر إلا بعد تقديم البراهين.
الهجرة.. نزف الأوطان
لا يمكن النظر إلى تراجع الحضور المسيحي في أجزاء من المشرق بمعزل عن التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة. فقد دفعت الحروب والاضطرابات وانعدام الأمان، إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية أعداداً من أبناء المنطقة إلى الهجرة، ولم تكن آثار هذه الهجرة محصورة في جماعة بعينها، وإن اختلفت أسبابها ونتائجها من بلد إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى.
وتتجاوز الخسارة هنا عدد السكان الذين يغادرون أو يتناقصون. فالهجرة الطويلة الأمد تعيد تشكيل المدن والبلدات وتقطع الصلات الاجتماعية بين الأجيال، وتضعف علاقات الجوار والعمل والثقافة التي تراكمت عبر زمن طويل. وحين تغادر مجموعة ما المكان لا شك ستتغير أيضاً بعض ملامح الحياة التي شاركوا في تكوينها.
لكنّ التعامل مع هذه المسألة لا يكون بتحويل المسيحيين العرب إلى جماعة تستدعي الشفقة، ولا باختزال وجودهم في صورة تاريخية جميلة يُرثى لها كلما خلت مدينة من أبنائها. المطلوب هو فهم الأسباب التي تجعل المواطن يفقد ثقته بإمكان العيش الآمن والكريم في وطنه، والعمل على معالجتها. فلا يكفي أن نؤكد أن المسيحيين العرب جزء أصيل من المشرق، إذا كانت شروط الحياة فيه تدفعهم إلى الرحيل، ولا يكفي أن نحتفي بدورهم التاريخي إذا لم نستطع حماية حقهم وحق سائر المواطنين في الأمن والكرامة والعمل والمشاركة العامة، فصون التنوع يأتي من توفير الشروط التي تتيح له أن يستمر في الحياة وليس من الاحتفاء به في الخطابات.
من حماية الأقليات إلى دولة المواطنة
كثيراً ما يُطرح مفهوم حماية الأقليات عند الحديث عن الجماعات الدينية، وهو مفهوم قد تكون له أهمية في مواجهة التمييز أو التهديد، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الإطار الوحيد الذي نفهم من خلاله حقوق المواطنين. فحين تُقدَّم جماعة ما باعتبارها أقلية تحتاج دائمًا إلى حماية جهة أقوى منها، قد يُختزل حقها في الوطن إلى مسألة رعاية أو ضمانات استثنائية، بدلًا من أن يكون جزءاً من نظام عام يكفل حقوق الجميع.
فالمشكلة لا تنحصر في اتخاذ تدابير تحمي جماعة تتعرض للتمييز أو الخطر، بل في أن تصبح الحماية بديلاً من المواطنة، أو أن يُفهم الحق كمنحةٍ تمنحها أكثريةٌ لأقلية، لا التزاماً يقع على الدولة تجاه مواطنيها جميعاً. ومن حق كل جماعة الحفاظ على خصوصيتها الدينية والثقافية، من دون أن تتحول هذه الخصوصية إلى حاجز يفصلها عن المجال الوطني المشترك أو إلى سبب للشك في ولائها وانتمائها.
وهنا تظهر أهمية دولة المواطنة كنظامٍ يترجم المساواة إلى حقوق وقوانين تضمن الأمن والعدالة والفرص الاقتصادية والتعليم ومؤسسات الدولة التي تعيد إلى الإنسان ثقته بمستقبله. دولة لا تميّز بين مواطنيها بسبب الدين أو الطائفة، وتكفل لهم المشاركة في الحياة العامة، وتضمن لهم حرية الاعتقاد والتعبير، وتتيح لهم اللجوء إلى القانون على قدم المساواة، دون أن يعني ذلك تجاهل الفروق بين الجماعات أو إنكار ما قد تتعرض له إحداها من تمييز، لأن معالجة هذه الفروق لا تكون بتثبيت الامتيازات أو الهويات المغلقة، وإنما بإزالة أسباب التمييز وضمان المساواة الفعلية. فالمجتمع يصبح متماسكاً فقط حين يشعر أفراده بأن حقوقهم مصونة، وأن اختلافهم لا ينتقص من مكانتهم في الدولة.
ومن الخطأ هنا أن ننظر إلى المسألة من زاوية حماية الأقليات وحدها، كما أنه من الخطأ أن نفترض أن مجرد الحديث عن المواطنة يكفي لمعالجة مشكلات متراكمة. فالمواطنة تحتاج مؤسسات عادلة وقضاءاً مستقلاً، وقوانين تطبق على الجميع، وثقافة عامة لا تجعل الاختلاف الديني موضع ريبة أو سببًا للإقصاء. ومن دون ذلك كله لن تتحقق المساواة مهما ارتفعت الشعارات.
وطن يتسع لجميع أبنائه
إن الدفاع عن انتماء المسيحيين العرب إلى المشرق لا ينبغي أن ينفصل عن الدفاع عن حق كل مواطن في الانتماء نفسه. فالانتماء إلى الوطن يتجاوز منطق المفاضلة بين المواطنين على أساس الدين أو الأصل أو الطائفة.
وإذا كان التاريخ شاهدًا على مشاركة المسيحيين العرب في بناء الحياة الثقافية والفكرية للمشرق، فإن الحاضر يضعنا أمام مسؤولية أخرى: كيف نحافظ على شروط العيش المشترك، ونمنع الخوف والتمييز وانعدام الثقة من دفع مزيد من أبناء المنطقة إلى الرحيل؟ وكيف ننتقل من الاعتراف بتعدد المجتمع إلى بناء دولة تحمي حقوق مواطنيها من دون تصنيفهم إلى جماعات متفاوتة في حقها بالأمان والانتماء؟
فقد ثبت عبر التاريخ أن المجتمعات لا تنهار لأنها متنوعة، وإنما تتصدع حين تفقد قدرتها على إدارة تنوعها بالعدل والحوار، وحين يتحول الاختلاف إلى أساس للارتياب والإقصاء، من هنا فالمطلوب أن يجد الجميع في هذا الوطن إطارًا مشتركًا يحمي خصوصياتهم ويضمن مساواتهم.
إن المسيحيين العرب لم يكونوا يوماً ضيوفاً على المشرق، ولا يحتاجون إلى استئذان التاريخ كي يكونوا جزءاً منه، لكن الدفاع عن حقهم في الانتماء يظل ناقصاً إذا لم يكن دفاعاً عن حق الجميع في دولة المواطنة. والمعيار الحقيقي هو ما يضمنه الوطن اليوم من حقوق لكل فرد فيه، بعيداً عن مقدار ما قدمته جماعته للوطن في الماضي.
وفي النهاية ربما يكون السؤال الأهم: هل نريد مشرقاً تتجاور فيه الطوائف والأديان وهي تخشى بعضها بعضاً، أم مشرقاً تكون فيه المواطنة أساساً للانتماء؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص المسيحيين العرب وحدهم، بل تخص كل عربي يؤمن بأن الوطن أكبر من الطائفة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يُختزل في بطاقة هويته الدينية.
