د.ساره قوراري (كاتبة وباحثة في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية)

في الوقت الذي يعيش لبنان واحدة من أكثر مراحله السياسية والأمنية تعقيدا منذ نهاية الحرب الأهلية، جاءت مصادقة الحكومة اللبنانية أمس الخميس 14 أيار/مايو 2026 على تعيين السفير الجزائري الجديد خميسي عريف لدى لبنان لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحضور الجزائري على الساحة اللبنانية، بعد فترة فراغ دبلوماسي طويل تزامن مع الحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية وما رافقها من اهتزازات إقليمية خطيرة أعادت رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط.
يُشار الى أن السفارة بلا سفير منذ استدعاء السفير والمثقف الموسوعي د كمال بوشامة الى الجزائر بعد تسريبٍ له من ندوة مغلقة قال فيها إن الرئيس ترامب يعاني الجنون، رغم ان الكلام كان في ندوة بعيدة عن النشر والإعلام. وكان بوشامة يقود ورشة سياسية وثقافية وإعلامية كبرى وواعدة في لبنان بتعليمات مباشرة من الرئيس عبد المجيد تبون، بعد انتقال بوشامة اليه من سوريا، ثم توقّف كل شيء بعد استدعائه.
ومن هذا المنطلق فإن قراءة هذا التعيين لسفير جديد من زاوية إدارية أو بروتوكولية فقط تبدو قاصرة عن فهم أبعاده الحقيقية. فاختيار الرئيس عبد المجيد تبون لهذا الاسم تحديدا لا يمكن فصله عن التحول العميق الذي شهدته السياسة الخارجية الجزائرية منذ وصوله إلى الحكم سنة 2019، ولا عن طبيعة العقيدة الجديدة التي أراد تبون ترسيخها في إدارة علاقات الجزائر الإقليمية والدولية.
دبلوماسية تبون الاستباقية
الجزائر في عهد الرئيس تبون لم تعد تتحرك بمنطق “الدبلوماسية الصامتة” أو التمثيل التقليدي، وإنما بمنطق “الدبلوماسية الاستباقية” القائمة على استعادة الحضور الجزائري في الملفات الكبرى، واختيار شخصيات تمتلك القدرة على تحويل السفارات إلى أدوات تأثير سياسي واقتصادي وثقافي حقيقي. ولهذا، يبدو إرسال دبلوماسي مخضرم بحجم خميسي عريف إلى بيروت في هذا التوقيت رسالة سياسية بامتياز، مفادها أن الجزائر قررت العودة بقوة إلى لبنان، ولكن برؤية مختلفة تتجاوز المجاملات الدبلوماسية نحو بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
والرئيس تبّون يُكن للُبنان وأهله عاطفة خاصة، وكان قد أعطى تعليماته منذ سنوات لإيلاء بلاد الأرز كل الاهتمام الذي تستحقه وتقديم كل المساعدات المطلوبة، دون أي شرط أو قيد.فالجزائر، على امتداد العقود الماضية، لم تتعامل مع لبنان بمنطق المقايضة، بل بمنطق الأخوة السيادية القائمة على دعم الدولة اللبنانية والحفاظ على استقرارها ووحدتها.
العامل الشخصي عند تبّون
في السنوات الأخيرة، حاولت العديد من الدراسات الأكاديمية تفسير التحول اللافت الذي شهدته السياسة الخارجية الجزائرية في عهد الرئيس تبون. وقد أجمعت أغلب هذه الدراسات على أن “العامل الشخصي لرئيس” لعب دورا محوريا في إعادة رسم العقيدة الدبلوماسية الجزائرية. ومن أبرز هذه الأبحاث ، دراسة بعنوان: “دور المتغير الشخصي في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية الجزائرية: دراسة حالة الرئيس عبد المجيد تبون”، والتي خلصت إلى أنّ شخصية تبون نفسها أثرت بصورة مباشرة في إعادة هيكلة القرار الخارجي الجزائري، عبر إعادة مركزية القرار إلى مؤسسة الرئاسة، وفرض نمط جديد قائم على الحضور الشخصي المكثف، واستعادة هيبة الدولة، وإعادة تموضع الجزائر كقوة إقليمية فاعلة بعد سنوات من الانكفاء النسبي.
هذه الدراسة لم تكن الوحيدة في هذا السياق، إذ وصفت أبحاث أخرى سياسة الرئيس تبون الخارجية بأنها “سياسة نشطة واستباقية”، انتقلت فيها الجزائر من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة والتأثير المباشر في الملفات الإقليمية. وقد ظهر ذلك بوضوح في تحركات الجزائر داخل ملفات ليبيا والساحل والطاقة والقضية الفلسطينية، وحتى في إدارتها لعلاقاتها المعقدة مع فرنسا والمغرب.
دولة الكرامة
حاول الرئيس تبون منذ وصوله إلى السلطة إعادة بناء صورة الجزائر كدولة لا تنكسر تحت الضغط، وكقوة تمتلك قرارها السيادي الكامل. وهي المقاربة التي يمكن اختصارها بما بات يعرف داخل الأدبيات السياسية بـ “الأنف الجزائري العالي”، أي ذلك الوعي الوطني القائم على رفض التبعية أو الارتهان للخارج مهما كانت الكلفة. ولهذا رفض الرئيس الجزائري بشكل قاطع اللجوء إلى صندوق النقد الدولي أو الاستدانة الخارجية، مفضلا الاستثمار في الثروات الوطنية الجزائرية والدفع نحو بناء اقتصاد منتج قائم على تنويع المداخيل بدل الارتهان الكامل لعائدات النفط التقليدية. فتبون أدرك مبكرا أن النفوذ السياسي لا يمكن أن يقوم دون قوة اقتصادية حقيقية، وأن استعادة الدور الإقليمي للجزائر تمر حتما عبر إعادة بناء الداخل اقتصاديا.
وفي هذا الإطار، عملت الجزائر مطلع سنة 2026 على إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، كان أبرزها تطوير قطاع الطاقة والمناجم، وعلى رأسها مشروع غار جبيلات، الذي يمثل أحد أكبر احتياطات الحديد في العالم، إلى جانب توسيع القدرات الإنتاجية والتصديرية في قطاع الغاز الطبيعي.لاعب محوري في سوق الطاقة
ومع اشتداد التوترات الدولية، خاصة على خلفية الحرب الإيرانية ـ الأميركية وأزمة المحروقات العالمية التي ضربت الأسواق الدولية، تحولت الجزائر خلال سنة 2026 إلى لاعب محوري في سوق الطاقة العالمي، خصوصا بعد عودة العديد من الدول الأوروبية بقوة نحو الجزائر بحثا عن شريك طاقوي مستقر وآمن. وقد شهدت الجزائر خلال هذه المرحلة طفرة إنتاجية وتصديرية عززت مكانتها كأحد أهم مزودي الغاز في حوض المتوسط.
اختيار السفير خميسي عريف ليس صدفة
وهنا تحديدا يمكن فهم جانب مهم من خلفيات اختيار السفير فوق العادة خميسي عريف إلى بيروت. فالرجل ليس مجرد سفير تقليدي، بل دبلوماسي يمتلك خبرة واسعة في الملفات الاقتصادية والطاقوية والعلاقات الخليجية. فقد سبق له أن شغل منصب سفير الجزائر لدى دولة الكويت منذ سنة 2011، قبل انتقاله إلى أبوظبي سفيرا للجزائر لدى دولة الإمارات العربية المتحدة بين سنتي 2021 و2023، حيث كرّم بوسام الاستقلال من الطبقة الأولى، في دلالة على الثقل الدبلوماسي الذي تمتع به داخل البيئة الخليجية، كما ترأس الوفد الجزائري في الدورة الثالثة عشرة للجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة.
إن هذه الخلفية تعكس بوضوح طبيعة المهمة الجديدة التي يبدو أن الرئيس تبون يريد إطلاقها في لبنان؛ فبيروت بالنسبة للجزائر اليوم ليست مجرد محطة سياسية، وإنما بوابة لإعادة تفعيل التعاون الاقتصادي والطاقوي والثقافي في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى شركاء حقيقيين لا إلى مواقف إعلامية عابرة.
لبنان في قلب تبون:
لا يمكن فهم خصوصية العلاقة بين الرئيس تبون ولبنان دون العودة إلى القمة العربية التي احتضنتها الجزائر سنة 2022، والتي شارك فيها رئيس الحكومة اللبنانية السابق نجيب ميقاتي ممثلا للبنان. ففي تلك القمة، لم يتعامل الرئيس تبون مع لبنان كملف دبلوماسي عادي، بل كقضية عربية وإنسانية وسيادية تتطلب دعما فعليا. وقد تركت تلك المرحلة أثرا واضحا في العلاقة بين الرجلين، حيث لم يتوقف ميقاتي منذ ذلك الحين عن الإشادة بالرئيس الجزائري وبالدعم الذي قدمته الجزائر للبنان في أصعب الظروف.

ويقال داخل الأوساط السياسية اللبنانية إنّ الرئيس تبون لطالما اعتبر أنّ لبنان “في قلب الجزائر”، وهو ما يفسر استمرار الدعم الجزائري للبنان سياسيا وإنسانيا واقتصاديا رغم كل الأزمات الدولية والإقليمية. فالرئيس الجزائري لم يوفر مناسبة إلا وأكد فيها وقوف الجزائر إلى جانب الدولة اللبنانية ووحدة أراضيها واستقرارها، سواء عبر الهبات أو المساعدات أو الدعم السياسي في المحافل الدولية، ودون أي مقابل سياسي أو شروط مسبقة.
ولعل الزيارة الأخيرة التي قام بها العماد جوزاف عون إلى الجزائر شكّلت واحدة من أبرز المحطات التي عكست عمق هذا التقارب بين البلدين. فقد حظي الرئيس اللبناني باستقبال رسمي لافت، تخللته مراسم المدافع والتشريفات الرئاسية الكاملة، في رسالة سياسية واضحة تعكس حجم الاهتمام الذي يوليه الرئيس تبون للبنان ورمزيته داخل العقيدة الدبلوماسية الجزائرية الجديدة. كما أهدى الرئيس الجزائري نظيره اللبناني أرفع الأوسمة الجزائرية الذهبية، في خطوة قرأتها الأوساط السياسية كإشارة تقدير ودعم مباشر للعهد اللبناني الجديد وللدولة اللبنانية في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة.وفي ظل الحرب الإسرائيلية الحالية وما خلفته من دمار ونزوح وانهيار اقتصادي واجتماعي، يبدو أن اللبنانيين ينتظرون وصول السفير الجديد بلهفة، باعتباره يحمل معه رسالة جزائرية مختلفة، قائمة على الحضور الفعلي لا الرمزي، وعلى محاولة إعادة بعث التعاون الثنائي في ملفات الطاقة والاستثمار والإعمار والثقافة والإعلام.
مهام وحقائق السفير عريف
في القراءة الاستراتيجية، يبدو أن السفير الجديد يصل إلى بيروت حاملا عدة “حقائب سياسية” كلّفه بها الرئيس تبون شخصيا.
الحقيبة الأولى تتعلق بإعادة تفعيل التعاون في مجال الطاقة، خاصة بعد تجاوز التوترات السابقة المرتبطة بملف سوناطراك، ووسط حاجة لبنان الماسة إلى حلول إنقاذية في ملف الكهرباء والمحروقات.
أما الحقيبة الثانية فتتمثل في إعادة تنشيط التبادل التجاري والعمل المشترك بين غرف التجارة الجزائرية واللبنانية، خصوصا أنّ الرئيس تبون ينظر إلى الاقتصاد كجزء أساسي من النفوذ السياسي للدول.
في حين تحمل الحقيبة الثالثة بعدا ثقافيا وإعلاميا أعمق، يتمثل في إعادة استكمال مشاريع ثقافية وإعلامية جزائرية داخل بيروت، وعلى رأسها فكرة إنشاء مركز ثقافي جزائري يمكن أن يتحول إلى فضاء إشعاع فكري وثقافي عربي في قلب العاصمة اللبنانية.
كما لا يمكن فصل هذا التعيين عن البعد الإنساني، خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان حاليا، حيث يتوقع أن تلعب الجزائر دورا أكبر في دعم المتضررين والنازحين والمساهمة في مسارات إعادة الإعمار والدعم الاجتماعي.
في المحصلة، لا يبدو تعيين السفير خميسي عريف في بيروت مجرد قرار إداري عابر، بل انعكاسا مباشرا لعقيدة سياسية كاملة أراد الرئيس تبون من خلالها إعادة تعريف مكانة الجزائر داخل الإقليم. إنها دبلوماسية تقوم على استعادة الهيبة، وعلى بناء النفوذ الهادئ طويل الأمد، وعلى الحضور في اللحظات الصعبة لا في مواسم الاحتفالات فقط. ولهذا، اختار الرئيس تبون إرسال واحد من أكثر دبلوماسييه خبرة إلى بيروت في لحظة تعاد فيها كتابة خرائط الشرق الأوسط من جديد.
فالجزائر التي أرادها الرئيس تبون ليست دولة تبحث عن المساعدات أو تقايض سيادتها مقابل الدعم الخارجي، بل دولة قوية تفرض احترامها بندّية داخل المجتمع الدولي، وتحافظ على قرارها الوطني مهما كانت الضغوط. وهي المقاربة نفسها التي جعلت الجزائر ترفض الانحناء في ملفاتها الكبرى، سواء في علاقتها مع المغرب أو في صراعاتها الإقليمية أو في تمسكها بعقيدتها السيادية.
وفي زمن الحروب والانهيارات، يبدو أنّ الرئيس تبون يريد إعادة تقديم الجزائر كقوة عربية تعرف كيف تحافظ على هيبتها دون أن تتخلى عن أصدقائها. ومن هنا، فإنّ عودة تعيين السفير الجزائري إلى لبنان لا تعني فقط عودة ريس البعثة للعمل، بل عودة مشروع سياسي كامل عنوانه: الجزائر دولة لا تنكسر… ولا تترك لبنان وحده وسط العاصفة.
