مضر الشيخ ابراهيم( ناشط سياسي ورجل أعمال)

بيتُ الجدّ، بكلّ ما تعنيه الكلمة للأبناء والأحفاد، من مَوَدّةٍ ومحبةٍ وطمأنينة، ومن تعدّياتٍ وطمعٍ وشعورٍ بالتملّك والتفرّد؛ هذا هو لبنان مع شعبه. لكنّ هذا الجدّ المتوفّى تزوّج من سمراء وشقراء وبيضاء، ومن عجميّة وتركيّة وأوروبيّة وروسيّة، وأقدم على كلّ ما هو زواجٌ مختلط، فأنجب أبناءً وأحفاداً يجمعهم الكثير، وأحياناً لا يجمعهم سوى اسم الجدّ ذاته.
أكثر ما يسلّيني في ازدحامات المرور الخانقة، هو مراقبتي للعربات التي يقود تسعون بالمئة منها، أو أكثر، شخص واحد. وأسأل نفسي: لو أنّ كلّ أربعة أشخاص اتجهوا سوياً في سيارة واحدة داخل بيروت وأحيائها، أما كانت هذه المشكلة لتُحلّ؟ لكن هنا يكمن جوهر التفرّد في هذا الجين اللبناني؛ الفرديّة. فبهذه الفرديّة يسجّل اللبناني نجاحاتٍ باهرة وكبيرة ولافتة، لكنه يضعف كثيراً أمام العمل الجماعي. هو، بطبعه، يفضّل الفرديّة، من ركوب سيارته منفرداً، وصولاً إلى مختلف محطات حياته.
وربما مردّ ذلك أنّ الجميع في هذا البلد يعتقدون أنّهم على حقّ؛ كلٌّ وفق اصطفافه، وقناعاته، وخلفيّته، وطائفته، وربّه. أضف إلى ذلك الجغرافيا الرائعة التي تُصنَّف من بلاد السعادة على مستوى المزاج، مع مرور الفصول الأربعة بانتظام على مدار العام، وأحياناً تجتمع الفصول في الخريف والربيع معاً. لكنّ التصاق الشاطئ بالجبل والسهل، وهنا مربط الفرس، يجعل المرء حائراً بين تعلّم السباحة والتجارة، وبين مهارات صعود الجبل والزراعة والرعي والخدمات. لذا، فالهوية هنا متعدّدة حتى على مستوى القابليات والمهارات، وهذا كلّه يُكثّف من فرديّة الشخص، فيصبح مبتكراً ومبدعاً وخلّاقاً، غير أنّ الأمر لا ينعكس، في الغالب، على العائلة أو الجماعة في بيت الجدّ هذا، بل على الفرد وحده.
مقاهي هذا البلد، بما تملكه من رونق الاعتياد والألفة، تصدح كثيراً بالسياسة والفكر والحميميّة، وبالاقتصاد أيضاً، ولا سيّما بشقّه الأشهر هنا: الوساطة التجارية. وأبناء بيت الجدّ هذا، كلٌّ في موقعه، يظنّ أنّ الأشرفية جزءٌ من فرنسا، والضاحية جزءٌ من إيران، وطريق الجديدة امتدادٌ للسعودية، وطرابلس للشام الحالية، فيما ترى بعلبك ـ الهرمل، بشقّها الحدودي، نفسها كأنّها المكسيك. أمّا صيدا فتميل إلى مصر، وصور إلى أفريقيا، وبعض الجبل إلى أميركا، بينما كان الشوف سابقاً أقرب إلى روسيا، أمّا اليوم، وبفعل الابن “البيك”، فقد بات أقرب إلى مركزٍ للأمم المتحدة ومحافل القرار. ومن حسن حظّ الصين أنّ الحفيد “البلشفي” في هذه العائلة تقلّص دوره الحيوي. ومع ذلك، يظنّ الجميع أنّ لهم تأثيراً على تلك الدول الكبرى، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ولا بأس، فالعملية تبادلية، بغضّ النظر عن النسبة والتناسب.
يكثر الحديث، في خضمّ الحرب الحالية، عن صيغةٍ سياسيةٍ جديدة في هذا البيت، تكون فيها الكفاءة هي المعيار، والإنتاج عنواناً للنظافة والنزاهة والتنمية، بعيداً عن الطائفية المقيتة. وعليك أن تتخيّل مقوّمات هذا البلد، من جمالٍ وطبيعةٍ وجغرافيا، ومن كونه صلة وصل بين الشرق والغرب، وهي تتّجه نحو هرمٍ تسلسليّ وواقعيّ، والأهمّ أن يكون منتمياً فقط إلى وطنه، ويقوم بتجربة مواطنة حقيقية قائمة على معايير الإنتاجية والتنمية والاستقلالية.
وعندها، وبجهود أفراده الخلّاقين ضمن فريقٍ واحد، سيكون لبنان، على طريقته الخاصة، من أعظم البلدان، بعد تهاوي الأثقال التي منعت قيامته؛ تلك القيامة التي أتمناها له، وتليق به.
