روزيت الفار- الأردن

. جذورها الفلسفيّة. تطوّرها عبر العصور. رأي الفاتيكان والباباوات المعاصرين بها. تباين رؤى الأساقفة الأمريكان البارزين نحوها. وهل تنطبق شروطها على الحرب الأمريكيّة/الإسرائيليّة القائمة على إيران كما يدّعي أصحابها؟
يُختصر تعريف الحرب العادلة بأنّها مذهب أخلاقي وقانوني يحدّد معايير صياغة الحرب لضمان شرعيّتها. لها ركائزها؛ وتهدف للوصول إلى السّلام العادل.
لهذه النّظريّة جذور كلاسيكيّة نشأت قبل الميلاد حين تناولها الفلاسفة اليونان، وبمقدّمتهم آرسطو وتلميذه أفلاطون الّذي لم يعتبرها غاية بذاتها بل استثناءً أخلاقيّاّ وضرورة قصوى للسّلام وللدّفاع عن المدينة الفاضلة الّتي طالما دعا لإنشائها. شدّد من خلالها على أن تكون هذه الحرب موجّهة فقط نحو أعداء الخارج وتحريم الفتنة الدّاخليّة ومنعها.
تلاهم فلاسفة الرّومان وأبرزهم شيشيرون، الّذي أضاف لمبادئ أسلافه اليونانيّين، شرط توافر عنصر السّبب العادل لإقرار هذا النّوع من الحروب بهدف تحقيق السّلام. كالدّفاع عن النّفس، بمعنى ألّا تكون حرب استباقيّة تُشن للانتقام أو الظّلم. مؤكّداً بأنَّ الحرب غير المستندة على الحق هي مجرّد سطو مسلّح.
وللّاهوتيّين والفلاسفة المسيحيّين دور مهمّ في تنظيم وتطوير مفهوم الحرب العادلة. ففي القرن الرّابع الميلادي برز
القدّيس أوغسطين(354-430) المولود بمدينة عنّابة الجزائريّة، كأوّل مفكّر مسيحي تناول مسألة الحرب العادلة من جوانبها المختلفة، حيث انكبَّ على دراستها ومعالجتها على أسس مسيحيّة اعتمد فيها -إضافة لتعاليم عقيدته الكاثوليكيّة- على القانون الرّوماني وحِكَم الفلاسفة القدماء أمثال شيشرون، وأخرجها كإطار أخلاقي يوفّق بين تعاليم المسيحيّة المسالمة وضرورات الدّفاع المؤلمة عن الدّولة لإرساء السّلام وحماية الأبرياء مقتنعاً بأنَّ أهل الحقّ مجبرون أحياناً على شنِّها نتيجة أخطاء الأشرار. وبرأيه، أنّ هدف كلّ حرب هو السّلام. فالحرب بفكرِه أداة سلام.
اشترط أوغسطين لقيام هذه الحرب توفّر ثلاثة معايّير هي:
- السّبب العادل. مثل ردَّ العدوان أو استعادة الحقوق
- أن تقرّرها سلطة شرعيّة رسميّة وليس أفراد.
- وجود دافع قويم أو نيّة حسنة وأن يتمّ استخدامها دون قسوة. كإعادة السّلام وليس للانتقام .
تُعدّ أفكار أُوغسطين حجر الزّاوية والأساس للقانون الدّوليّ الغربيّ الحاليّ ولنظريّة الحرب العادلة الّتي طوّرها توما الأكويني في القرن الثّالث عشر؛ حيث حوّلها من مبادئ عامّة إلى إطار لاهوتي وفلسفي دقيق في كتابه الخلاصة اللّاهوتيّة، وأضاف لشرط الدّفاع عن النّفس شرطاً آخر هو أن تأتي كردَّ فعل على ظلمٍ سبق. نقل الأكويني نظريّة الحرب العادلة من مجرّد تبرير أخلاقي لمعايير قانونيّة وسياسيّة إلى تقيّيد الحروب ومنع استخدامها بشكل عبثي.
*هنري تشادويك، أغسطينوس: “مقدمة قصيرة جداً. ترجمت 2016.
وفي وقتنا الحاضر، أصبح القانون الدّوليّ ومواثيق جنيف والأمم المتّحدة المرجع الرّئيس لتحديد مفهوم الحرب العادلة مع التّشديد على أن يكون قرار الحرب هو الخيار والملاذ الأخير. أي بعد استنفاذ كلّ الطّرق الدبلوماسيّة والتّفاوض والحوار وأن يتحقّق فيها عامل التّناسب أيّ أن تأتي بنتائج إيجابيّة تفوق حجم الدّمار والخسائر الّذي أحدثته، إضافة إلى الالتزام بعامل التّميّيز بمعنى التّفريق بين العسكريّين والمدنيّين عند الاستهداف.
تبنّى الفاتيكان في الآونة الأخيرة، وكممثّل للكنيسة الكاثوليكيّة -الّتي يتّبعها الرّئيس الأمريكي ترامب ومعظم أعضاء إدارته- رؤية نقديّة جذريّة تجاه مفهوم الحرب العادلة التّقليدي، حيث دعا البابا الرّاحل فرنسيس لإعادة التّفكير بها بل ورفض وجودها بالمطلق مبرّراً رؤيته بأنّ الله لا يبارك أيّ صراع، واعتبرها فشلاً للحوار، وشدّد على تحويل تعاليم الكنيسة من نظريّة الحرب العادلة إلى لاهوت وممارسة اللّاعنف معتبراً الأسلحة النّوويّة أسلحة غير أخلاقيّة حيازةً واستخداماً، ونادى بتطبيق الأخوّة والسّلام، فالإثنين لديه، أقوى من القتل والحرب.
من بين ما قاله: “أخذني شخص على دراية بالإحصاءات، وأفاد بأنّه لو لم يكن ثمّة تصنيع للأسلحة لمدّة عام؛ فلن يكون هناك جوع في العالم”. وأشار قداسته بأنّ الوضع الحالي في أوروبّا يظهر بأنّه ليس بمقدور الأمم المتّحدة الآن وقف الحرب. واصفاً إيّاها بالجنون والعار على البشريّة، ومتجاوزاً النّقاشات المنادية بضروراتها وشروطها، أعرب البابا الحالي ليو الرّابع عشر بتصريحات واضحة وصارمة عن مواقفه الرّافضة لما أسماها الرّئيس ترامب وحليفه الإسرائيلي بالحرب العادلة التّي يشنّاها اليوم على دول الشّرق الأوسط بما فيها إيران، موجّها انتقاداتٍ مباشرة لهما في استخدامهما القوّة المفرطة في عدوانهم، بقوله: “أنّ الرّبَّ لا يستجيب صلوات قادة يشنّون حروباً وأياديهم ملطّخة بالدّماء”. وحذّر من استخدام اسم الله لتبرير العدوان، ورفض بصريح العبارة أيّ تهديد للشّعب الإيراني بإرجاعه للعصور الحجريّة وقال بأَّنَّ هذا قول غير مقبول إطلاقاً وأنّ استهداف المدنيّين والبنى التّحتيّة هو خرق للقانون الدّولي. وأعرب عن تضامنه مع الشّعب الّلبناني وسكّان غزّة الّذين يواجهون ويلات الحرب والدّمار.
وفي عظته مؤخّراً باحتفال أحد الشّعانين والقيامة، أكّد قداسته على أنّه لا يمكن للعنف أن يحقّق السّلام والاستقرار والعدالة؛ داعياً لإعطاء الأولويّة للحوار والدّبلوماسيّة ومؤكّدا على أنّ الحروب الّتي تُشن الآن على الأبرياء تهدف للقتل بل الإنسانيّة جمعاء. *WSJ April 26-2026
وحول مفهوم الحرب العادلة بين رجال الدّين المسيحي البارزين بأمريكا وكيف يُستخدم في الحرب الحاليّة على إيران، جاء بمقال نشره موقع National Catholic Register بتاريخ 28-4-2026 بأنّ هناك تباين بالاراء لدى هؤلاء الأشخاص حيث يؤكّد الأب روبرت بارون من مينيسوتا، على أنّه ليس من دور قادة الكنيسة اتّخاذ قرار نهائي بتحديد ما إذا كانت الحرب عادلة أم لا وبأنَّ تقييم شروط الحرب العادلة من أجل الشّرعيّة الأخلاقيّة يقع ضمن مهام المسؤولين عن الصّالح العام. في حين كان للعديد من قادات الكنيسة الآخرين موقف مفاده بأنَّ الحرب على إيران لا تفي بمعايير الحرب العادلة الكلاسيكيّة للكنيسة.
وتساءل بارون بمنشور له على منصّة X يوم 20 ابريل 2026، عمّا إذا كانت هذه الحرب هي بالفعل الخيار الأخير؟ وهل ثمّة توازن حقيقي بين الخير والسّلام المنشود وبين الدّمار النّاجم عنها؟ وهل يتمّ التّفريق بين المقاتلين والمدنيّين العزّل بشكل أكيد؟ ثمّ هل لدى المقاتلين وصنّاع الحرب أيّة نوايا حسنة في قتالهم؟ وهل هناك حسم مؤكد في تحقيق السّلام؟
من جانبه، يرى الأب جيرالد موري كاهن نيويورك، وبشكل قاطع، أن العمل العسكري الأمريكي على إيران عمل حماية وحرب عادلة مدّعيّاً تأكيد إيران الصّريح بامتلاكها 460 كغم من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% ، وهو ما يكفي لصنع 11 قنبلة نوويّة تهدّد أمريكا وحليفتها إسرائيل وبأن لا نيّة لإيران لوقف هذا التّخصيب.
*الأب موري – صحيفة The Free Press 14 -4-2026 .
بعد كلّ هذه الإيضاحات حول مفهوم الحرب العادلة وشروطها، هل هناك من جدل حول عدم شرعيّة وعدالة الحرب الأمريكيّة/الإسرائيليّة القائمة اليوم على دولنا وعلى إيران؟
