في خضم الحرب الوجودية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وجّه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي خطاباً بمناسبة النوروز 2026 خصّص فيه مساحة مهمة للدور الإقليمي لباكستان. هذا التخصيص يثير سؤالاً جوهرياً: لماذا اختارت طهران أن تمنح باكستان هذا الاهتمام البارز؟ وما هو الدور الجيوستراتيجي الذي تلعبه هذه الدولة في معادلات القوة الإقليمية؟ وما أبرز أبعاد أهميتها بالنسبة لإيران، ولماذا تعني استراتيجياً ليس فقط لمجتبى خامنئي بل أيضاً لوالده علي خامنئي؟
انطلاقاً من هذه الأسئلة، يكتسب تحليل العلاقة الإيرانية–الباكستانية بعداً عملياً في سياق الحرب الإقليمية المستمرة، إذ تتقاطع مصالح طهران مع الحفاظ على استقرار باكستان ومنع أي توترات محتملة بينها وبين أفغانستان، لما لذلك من تأثير مباشر على مسار الصراع. فهذه الجغرافيا لا تمثل هامشاً ثانوياً، بل تشكّل متغيراً قادراً على إعادة توجيه ديناميات الحرب والتأثير في حسابات القوة الإقليمية والدولية.
باكستان كعامل جيوستراتيجي مركزي
تُعد باكستان محوراً أساسياً في الحسابات الجيوبوليتيكية لعدد من القوى الإقليمية والدولية، بحكم موقعها الرابط بين جنوب آسيا والشرق الأوسط وقربها النسبي من مضيق هرمز، ما يمنحها قدرة غير مباشرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي ومسارات الملاحة البحرية. كما أن امتلاكها للسلاح النووي، في ظل تنافسها التاريخي مع الهند، يعزز من مكانتها كقوة ردع استراتيجية ويكرّس حضورها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية معقدة.
محور العلاقات مع الصين وإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية
يتعزز الدور الجيوستراتيجي لباكستان من خلال علاقاتها البنيوية مع الصين، ولا سيما عبر الاستثمارات الصينية في ميناء غوادر ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، التي تتجاوز بعدها الاقتصادي لتشكّل بنية جيوسياسية تعيد رسم طرق التجارة والطاقة عبر آسيا والشرق الأوسط، وتمنح إيران وباكستان موقعاً محورياً ضمن هذه الشبكة.
وفي هذا السياق، يبرز تقاطع استراتيجي عميق بين طهران وإسلام آباد في مواجهة مشروع ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، الذي يمر عبر إسرائيل بوصفها حلقة الوصل الأساسية، ما يجعله متعارضاً مع مصالح الطرفين الساعين إلى تكريس مسارات بديلة. هذا التعارض لا يقتصر عليهما، بل يتقاطع أيضاً مع توجهات الصين، ويضع السعودية أمام معادلة توازن بين مشاريع متنافسة، بما يعكس عمق الترابط بين الاقتصاد والجيوسياسة في إعادة تشكيل موازين القوة.
التقاطع مع المصالح السعودية وتحولات الردع الإقليمي
شهدت العلاقة بين السعودية وباكستان تطوراً لافتاً مع توقيع اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك في 17 سبتمبر 2025 في الرياض، برعاية محمد بن سلمان ومحمد شهباز شريف. وقد أرست هذه الاتفاقية مبدأ الأمن الجماعي، وعززت التعاون العسكري، مع طرح احتمالات توسيع مظلة الردع لتشمل القدرات النووية الباكستانية بشكل غير مباشر.
ويعكس هذا التطور تحوّلاً نوعياً في ميزان القوى الإقليمي، حيث تسعى الرياض إلى تنويع أدواتها الاستراتيجية في مواجهة التحديات، في ظل استمرار التنافس مع إيران.
الحدود البنيوية للتحالفات الإقليمية
على الرغم من تقاطع المصالح بين إيران وباكستان والصين، وإمكانية وجود نقاط التقاء غير مباشرة مع السعودية، إلا أن هذا التلاقي يبقى محكوماً بقيود بنيوية، أبرزها تباين التحالفات الدولية، واختلاف أولويات الأمن القومي، وتعقيدات التنافس التاريخي. وعليه، فإن ما يتشكل ليس محوراً صلباً بقدر ما هو شبكة مرنة من المصالح القابلة للتبدل وفق التحولات الإقليمية والدولية.
الاستنتاج الجيوبوليتيكي
يمكن تفسير خطاب مجتبى خامنئي في النوروز 2026 كجزء من مقاربة براغماتية تهدف إلى إعادة رسم شبكة العلاقات الإقليمية، عبر:
توسيع هامش الحركة الإيرانية تجاه باكستان
استكشاف إمكانيات التلاقي مع السعودية ضمن إطار المصالح المشتركة
التأكيد على أهمية استقرار العلاقة بين باكستان وأفغانستان كعامل حاسم في استقرار الإقليم
خاتمة
يعكس خطاب النوروز 2026 إدراكاً إيرانياً متقدماً لمكانة باكستان كعقدة توازن في النظام الإقليمي، حيث تتقاطع فيها اعتبارات الردع النووي مع البراغماتية السياسية، وتتلاقى المصالح الاقتصادية والجيوسياسية في مواجهة مشاريع غربية تعتمد على دور إسرائيل كممر رئيسي. وفي ظل التفاعل المتنامي بين باكستان والسعودية والصين، تبدو إسلام آباد مرشحة للعب دور محوري في إعادة تشكيل توازنات القوة، ليس فقط كفاعل إقليمي، بل كوسيط استراتيجي في المعادلة الدولية الآخذة في التشكل.
