لقد بدأت بالفعل المعركة العالمية على الغاز، وأوروبا تقف في الصفوف الأمامية. فمنذ يوم الأربعاء 4 مارس، غيرت أربعة ناقلات غاز على الأقل—وهي سفن صناعية ضخمة مزودة بخزانات مبردة تُستخدم لنقل الغاز الطبيعي المسال (LNG) لمسافات طويلة—مسارها بشكل مفاجئ. فبعد أن كانت متجهة إلى فرنسا أو بلجيكا أو إسبانيا، اتجهت هذه السفن القادمة من أفريقيا والولايات المتحدة في النهاية نحو آسيا، وفق بيانات شركة التحليل البحري Kpler.
وقد تأثرت تجارة الغاز بشدة بسبب الحرب في الشرق الأوسط التي دخلت أسبوعها الثاني يوم السبت 7 مارس. إذ لم تعد أي شحنة تمر عبر مضيق هرمز، وهو الممر البحري الضيق الذي يمر عبره عادة نحو 20٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية يومياً. وفي قطر، توقفت منذ يوم الاثنين أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية.
حتى لو انتهى الصراع فوراً، فإن العودة إلى دورة طبيعية لتسليمات الغاز قد تستغرق أسابيع وربما شهوراً، بحسب ما حذر به وزير الطاقة في الإمارة الغازية في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز يوم الجمعة. كما حذر سعد الكعبي أوروبا من أن عليها الاستعداد لتداعيات خطيرة، لأن المشترين الآسيويين سيكونون مستعدين لدفع أسعار أعلى للحصول على كل الغاز المتاح في السوق.
الوضع تحت السيطرة… حتى الآن
هذا التحذير لا يمكن أن تأخذه أوروبا بخفة، بعد أربع سنوات فقط من الصدمة الطاقية التي سببتها الحرب في أوكرانيا وقرار موسكو قطع إمدادات الغاز الروسي. ومع ذلك، فإن الوضع مختلف هذه المرة.
فأوروبا تستورد أقل من 10٪ من الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات العربية المتحدة، وهو أقل بكثير مما تستورده آسيا التي استحوذت في عام 2025 على نحو 90٪ من صادرات قطر وفق بيانات Kpler.
وفي بروكسل يسود خطاب مطمئن حتى الآن:
لا يوجد خطر فوري لنقص الغاز، والوضع تحت السيطرة، وفق ما يؤكد المسؤولون الأوروبيون. وذلك رغم أن مخزونات الغاز، بعد شتاء قاسٍ، لم تعد ممتلئة إلا بنسبة 29٪ فقط، وهي أقل بكثير من مستوياتها في الفترة نفسها من عامي 2024 و2025.
غير أن التهديد لا يتعلق كثيراً بالإمدادات، بل بسعر الغاز. فمنذ بداية الحرب، ارتفع عقد الغاز الآجل في سوق Title Transfer Facilityالهولندية—المرجع الرئيسي للأسعار في أوروبا—بنحو 60٪، إذ ارتفع من حوالي 30 يورو إلى أكثر من 50 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
ويشير المتفائلون إلى أن الأسعار لا تزال بعيدة عن الذروة التي سجلتها في عام 2022 عندما بلغت 340 يورو للميغاواط/ساعة.
لكن لوران دافيد، الأمين العام للرابطة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي المسال، يحذر قائلاً إن التوتر في السوق سيزداد كلما طال أمد النزاع. فالسوق أقل سيولة من سوق النفط، كما أن مصادر الإنتاج الرئيسية محدودة.
ومع اقتراب أوروبا من بدء حملة إعادة ملء مخزوناتها من الغاز، ستزداد المنافسة مع آسيا في السوق الفورية—أي السوق التي يتم فيها تداول الغاز يومياً—للحصول على الشحنات، والتي ستذهب بطبيعة الحال إلى أعلى المشترين سعراً.
التحول نحو الغاز الأمريكي
منذ عام 2022، وبعد اضطرارها إلى الاستغناء عن الغاز الروسي، حاولت أوروبا تنويع مصادر إمداداتها. وأصبحت الولايات المتحدة مورداً رئيسياً، خاصة عبر الغاز الطبيعي المسال الذي ارتفعت حصته في واردات أوروبا بشكل كبير.
وكان يُنظر إلى هذا المورد خلال السنوات الأخيرة على أنه أكثر مرونة وموثوقية من الغاز المنقول عبر الأنابيب. إلا أن هذا التصور قد يصبح اليوم أصعب في الدفاع عنه، بحسب دافيد.
مخاطر اقتصادية على الصناعة الأوروبية
في حال استمرار ارتفاع الأسعار، فإن هامش الأمان محدود. فمعظم مصانع الغاز الطبيعي المسال في العالم تعمل بالفعل بكامل طاقتها.
ويقول تييري بروس، الأستاذ في معهد العلوم السياسية بباريس (Sciences Po):
«في عام 2022 خصصت أوروبا نحو 4 تريليونات يورو لدعم الطاقة. لن يكون من الممكن تكرار ذلك، وسيتعين مواجهة الأزمة هذه المرة دون وسائل حماية».
ويرى هذا الخبير في اقتصاد الغاز أن التأثير سيكون قاسياً بشكل خاص على الصناعات التي لم تتعاف بعد من أزمة الطاقة السابقة. ويضيف:
«قد يقول بعض الصناعيين: لقد تجاوزت تلك الفترة وبقيت في أوروبا، لكن هذه الصدمة قد تكون الأخيرة. إذا تجاوز سعر الغاز مرة أخرى 100 يورو للميغاواط/ساعة، فمن المرجح أن يغلق البعض مصانعهم وينقلوها إلى الولايات المتحدة».
وقد أعلنت اتحاد الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة أن ارتفاع أسعار الغاز بدأ بالفعل يؤثر على قطاعات مثل الصناعات الكيميائية وإنتاج الزجاج والصناعات الغذائية.
ولا يستطيع الصناعيون بسهولة التحول إلى النفط، لأن الحرب أدت أيضاً إلى ارتفاع أسعار النفط. فقد تجاوز سعر برميل برنت يوم الجمعة 90 دولاراً لأول مرة منذ أبريل 2024.
احتمال العودة إلى الفحم
بعض شركات الكهرباء قد تلجأ إلى محطات الفحم، وهو أكثر مصادر الطاقة تلويثاً. ففي إيطاليا، التي تستورد ثلث غازها الطبيعي المسال من قطر، أعلن وزير البيئة وأمن الطاقة جيلبيرتو بيتشيتو أنه قد يتم إعادة تشغيل بعض المحطات المتوقفة إذا تفاقمت الأزمة.
أما فرنسا فتؤكد أنها تعتمد على الطاقة النووية التي تعمل حالياً بكامل طاقتها ويمكن أن تلعب دور «ممتص الصدمات»، بحسب وزارة الاقتصاد.
ويعد ذلك اختلافاً مهماً عن عام 2022 عندما تسببت مشكلة تآكل في بعض الأنابيب في إيقاف عدد من المفاعلات النووية.
نقاش أوروبي حول مستقبل الطاقة
تأتي هذه التوترات في وقت يستعد فيه الاتحاد الأوروبي لوقف جميع مشترياته من الوقود الأحفوري الروسي بحلول نهاية عام 2027. كما سيُحظر استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي بعقود قصيرة الأجل ابتداءً من أبريل.
هل يمكن أن تؤدي أزمة الأسعار الجديدة إلى إعادة النظر في هذا الجدول الزمني؟
يرى فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، أن اعتبار روسيا بديلاً للحصول على الغاز بسبب حرب الشرق الأوسط سيكون خطأ اقتصادياً وسياسياً.
وخلال زيارته لبروكسل ولقائه برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، دعا أوروبا إلى زيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة والطاقة النووية لتعزيز سيادتها الطاقية وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.
ورغم أنه لا توجد حتى الآن إجراءات أوروبية فورية لمواجهة ارتفاع الأسعار، فإن المخاوف من موجة ارتفاع جديدة أعادت فتح النقاش حول آلية تسعير الكهرباء في أوروبا.
ففرنسا وإيطاليا تدعوان إلى إنهاء القاعدة التي يتم بموجبها تحديد سعر الكهرباء وفق تكلفة آخر محطة طاقة تدخل الخدمة—وغالباً ما تكون محطة تعمل بالغاز.
في المقابل، طالبت سبع دول أوروبية، بينها الدنمارك وهولندا والبرتغال، بعدم تعديل هذا النظام، بل التركيز بدلاً من ذلك على الاستغناء عن الغاز المستورد والمكلف.
المقال منشور في صحيفة لوموند الفرنسية عبر مكتبها في بروكسيل
