د. محمد سليمان فايد: شهدت القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة عودة مقلقة لدوامة الصراعات والنزاعات المسلحة، بعد أن ظنّ كثيرون أن القارة قد تجاوزت مرحلة الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية التي ميّزت عقود ما بعد الاستقلال، إلا أن الواقع اليوم يقول عكس ذلك، فالنزاعات المسلحة ارتفعت بنسبة تقارب 45% منذ عام 2020، وتدور حاليًا أكثر من 50 جبهة صراع عبر القارة، تمثل نحو 40% من إجمالي النزاعات في العالم.
في دول مثل السودان، الصومال، الكونغو الديمقراطية، مالي، بوركينا فاسو، والنيجر، عاد صوت المدافع ليعلو مجددًا، بينما تتساقط الأنظمة السياسية واحدًا تلو الآخر بفعل الانقلابات أو النزاعات الداخلية.
ففي السودان وحده، تسبب القتال المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع في نزوح أكثر من 12 مليون شخص، ومقتل عشرات الآلاف، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم وفق توصيف الأمم المتحدة.
لقد أصبح الوضع في دارفور أسوأ بكثير مما كان عليه عندما زرتها قبل خمسة عشر عامًا، حين كانت المعسكرات تعجّ بالنازحين والاهتمام الدولي في أوجه. اليوم، تتجدد المأساة في مشهد أكثر قسوة، حيث تدور معارك طاحنة بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، لتتحول المدن والقرى إلى ساحات دمار ونزوح جماعي. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن عدد النازحين في السودان تجاوز ثمانية ملايين شخص، بينهم أكثر من ثلاثة ملايين في دارفور وحدها، بينما يواجه الإقليم مجاعة وشيكة بسبب نقص الغذاء والمياه وتفشي الأمراض وسوء التغذية.
ويقول المفوض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي إن «الاهتمام الدولي بما يجري في دارفور تراجع كثيرًا مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عشرين عامًا»، متسائلًا: «هل هو تعب، أم تنافس مع أزمات أخرى؟». وبينما تتصاعد الكارثة، تظل دارفور تنزف بصمت والعالم منشغل عنها.

وفي الكونغو الديمقراطية، اشتد القتال منذ مطلع 2025 بين الجيش الحكومي ومتمردي حركة “23 مارس”، مما أدى إلى نزوح نحو 1.8 مليون شخص خلال العام الجاري فقط، بينما تجاوز العدد الإجمالي للنازحين داخليًا في البلاد 7.3 ملايين شخص.
أما في الصومال، فقد أدت المواجهات المتجددة بين القوات الحكومية وحركة الشباب إلى نزوح 400 ألف مدني منذ بداية العام، معظمهم من إقليمي هيران وشبيلى الوسطى.

وفي إثيوبيا، ورغم الهدوء النسبي في إقليم تيجراي، فقد شهدت مناطق أمهرا وأوروميا اضطرابات جديدة تسببت في نزوح أكثر من 600 ألف شخص خلال 2025.
كما شهدت منطقة الساحل الغربي، لاسيما في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، موجات نزوح متزايدة بسبب تصاعد هجمات الجماعات المتشددة، حيث بلغ عدد النازحين الجدد في تلك الدول الثلاث أكثر من 1.2 مليون شخص خلال العام.
وتشير أحدث تقارير المنظمات الإنسانية إلى أن إجمالي عدد النازحين قسرًا في أفريقيا تجاوز 40 مليون شخص بنهاية 2025، بينهم حوالي 35 مليون نازح داخلي وقرابة 5 ملايين لاجئ، وهو ما يفوق عدد سكان دول مثل أنغولا أو المغرب. كما اختفى أكثر من 82 ألف شخص عبر القارة بسبب النزاعات، معظمهم في السودان.
ورغم أن أفريقيا تمتلك موارد طبيعية ضخمة وسكانًا يزيد عددهم على 1.4 مليار نسمة، هم الأصغر سنًا في العالم، إلا أن ثرواتها لم تترجم إلى تنمية حقيقية، فالفساد المستشري، وضعف المؤسسات، واستمرار أنظمة الحكم الشائخة التي لم تتغير منذ عقود، جعلت الاستقرار حلمًا بعيد المنال، هناك من يحكم بلاده منذ أكثر من 40 عامًا، وهناك من يترشح للمرة الرابعة أو الخامسة وكأن الحكم ميراث عائلي لا عقد اجتماعي.
لقد أفرزت هذه الأوضاع حلقة مفرغة من الفقر واليأس والتمرد، حيث يجد الشباب أنفسهم أمام واقع مسدود الآفاق، بلا فرص عمل ولا أمل، فيتحول بعضهم إلى وقود للنزاعات أو الهجرة القسرية.
كما أن تداعيات هذه الصراعات لا تتوقف عند حدود الأمن والسياسة، بل تمتد لتضرب في عمق الاقتصاد والتنمية داخل القارة. فغياب الاستقرار يؤدي إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية بنسبة تفوق 30% في مناطق النزاع، وانهيار البنية التحتية، وتعطّل حركة التجارة البينية الأفريقية التي لم تتجاوز حتى اليوم 15% من إجمالي تجارة القارة. وتستهلك النزاعات مليارات الدولارات سنويًا من ميزانيات الدول على حساب التعليم والصحة والتنمية المستدامة، فيما يعرقل تفكك الأسواق الإقليمية وهروب الكفاءات مشروع التكامل الاقتصادي الأفريقي.
إنّ عودة الصراعات ليست مجرد مسألة أمنية، بل هي نتيجة مباشرة لأنظمة حكم فقدت شرعيتها ولم تعد قادرة على تحقيق العدالة أو التنمية، ويُحتكر الاقتصاد بيد القلة، يصبح العنف لغة الاحتجاج الوحيدة، وهكذا تدور القارة في دوامة الصراع، بينما تظل شعوبها تدفع الثمن الأكبر من دمائها ومستقبلها.
ويبقى التساؤل:
هل ستتعلم أفريقيا من دروس الماضي لتكسر هذه الحلقة الجهنمية، أم أن القارة ستظل رهينة أنظمة هرِمت وشعوب أنهكها الصراع؟
