مضر شيخ إبراهيم: فيروز ووديع الصافي، فهد بلان، جان كارات، والأبوة المستجدة، وفوائد الرياضة، وشيخ إمام، وإيفيهات نجوم الكوميديا في مصر، والكويتي الراحل عبد الحسين عبد الرضا، ومونيكا بيللوتشي، ولوثار ماتيوس، وكيانو ريفز، وعبد الناصر، وأطفال غزة، وجنوب سورية ولبنان، ومضيق هرمز، واليمن…
هذه، في الأغلب الأعم، هي خوارزمية ما أحبّذه في السوشال ميديا. تكثّف لي هذه المقاطع، وتدفعها أمامي، وصولًا إلى دقائق ودقائق. هذا الأمر اليومي، الذي غدا روتينًا بشريًا للكثيرين، هو، بتقديري، عِلّة بصرية وصوتية اجتاحت يومياتنا دون مقدمات. والمشهد المزعج أنه غدا مألوفًا، من طفلي ذي العشرين شهرًا صعودًا في العمر.
لكن أخطر ما سبق هو نشوء طبقة من مثقفي الفيسبوك وأخواتها. هؤلاء يستندون إلى فيديوهات معدّة ومركّبة في شيطنة رموز، وتأليه شخوص، وتقزيم آخرين، ثم يصرّون، عنادًا ومواجهةً، في النقاش، حتى يتحدث الواحد منهم بصيغة العارف؛ وكأننا في حضرة من يلتهم كتابين وأكثر أسبوعيًا، لمؤلفين ومؤرخين وأساطين في العلم والفلسفة والتراث المادي واللامادي.
لا بأس. فنحن في عالم آخر، يتحكم به رئيس أكبر دولة في العالم وأعظمها في الماديات، وهو يقول الشيء وعكسه إلى درجة الكوميديا السوداء. وهو لا يفعل ذلك عبثًا أو مجانًا، وإنما لجعل الرأي العام العالمي مصابًا بمتلازمة «ما يقول».
وآخر يذهب إلى الأمم المتحدة ومجلسها، الذي ضمن له غطاءً على كل موبقاته وإجرامه، ويُستقبل بانصراف عشرات الوفود تنديدًا بحضوره؛ وكأن الأزمة في هذا الشخص وحده، وليس في كيانه ككل.
في هذا العالم الغريب، ومع كل تحذيرات المختصين والراسخين في علوم المعلومات والاتصالات، يتنبؤون بسيطرة قادمة لا محالة للذكاء الاصطناعي. وربما يسير المنطق وفق ما يقولون، لكن المؤكد أن من سيجني ثمار ذلك لن يكون الإنسان والإنسانية بالضرورة، بل قد يكون الأمر عكس ذلك، خاصةً لنا، نحن بلدان العالم الثالث، كما وصفونا وأبقونا، وساعدناهم في ذلك.
نعم، نحن نخشى كل ما يُقدَّم لنا من هؤلاء تقنيًا وتكنولوجيًا. لا نعتبر ذلك لوجه الله تعالى، وإنما لجعلنا سلعةً وحقل تجارب. وأيًا يكن الناتج، فهو خارج ما نتمنى.
ولي في ذلك شواهد، وأولها بشارة بأن الثورة التكنولوجية الحديثة القادمة ستُلغي عشرات المهن والوظائف من البشر لصالح الآلة. وهناك حكمة تقول: «كلما كثرت الآلات، ساءت أخلاقنا».
وتجنبًا لمن سيقول إن العلم وتطوره نتاج تراكم بشري، وإن من يخشى هذا الأمر عليه أن يواكب المستقبل، نعم، هو محق. ولكن أغلب بلداننا تعاني من ألف باء ضرورات الحياة.
لا يُعقل لمن يعاني من انقطاع الكهرباء والإنترنت والتلوث والساعات الطويلة على الطرقات، وتدني مستويات الدخل،وكل ما هو معاكس لجودة الحياة، أن نطالبه بالإبداع التقني وألا يقلق من القادم.
وبتقديري، فإن نصف ما نعيشه من تحديات جسيمة، مقارنةً بما نملك، سببه عدوٌّ لا يملّ ولا يكلّ عن إلحاق الأذى ونشر الفتن ومنع أي تطور، بسبب وجوده الطارئ والمحمي بكل ما تملك الدول العظمى من إمكانيات.
لكن النصف الآخر من تراجعنا سببه الكثير من الساسة والقادة، إلا من رحم ربي، الذين تاجروا بمواجهة هذا العدو.
وبين هذا وذاك، غدونا نتراشق الصفات والتخوين والتباغض على صفحات التواصل الاجتماعي. وهذه المنصات «المجانية»، بخوارزمياتها التي تسمع ما نريد وتُظهر ما نذكر دون تردد، أضاعت بلدانًا في هذه الأمة، وثبّتت حكامًا، وميّعت قضايا، وأحدثت بدعًا.
وربما من في جيلي من السوريين، وحتى بعض محيطي، يتعجبون من تكرار بعض المقاطع لمسلسلات سورية محددة. وبعد التأمل، أظن أن السبب في ذلك هو ما رافق تلك الأيام التي خلت من هناءة عيش في جزيرتنا السورية: قصة حب جامعية، أو أمان بين أوصال جغرافية سورية كانت آنذاك تمنحنا البسمة وبعض السكون، وهدوء المجريات، بعيدًا عن المناطقية والطائفية والمسميات التي تغزو اليوم هذا العالم الأزرق واجتاحت العقول.
وسنبقى، ونحن كُثر، نؤمن بأننا سننجو، ولن نُبدّل في الفضائل والتمسك بالقيم تبديلًا.
