مع استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط وتأثيرها سلبًا على طرق التجارة البحرية الرئيسية، كمضيقي هرمز وباب المندب، بسبب تداعيات الحرب بين إيران وحلفائها والولايات المتحدة وإسرائيل، تتسارع الدول الآسيوية في البحث عن ممرات بحرية بديلة.

أبحرت أول سفينة حاويات كورية جنوبية في رحلة تجريبية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في خطوة تهدف إلى اختبار الممر البحري الشمالي كمسار بديل للنقل البحري بين آسيا وأوروبا. وغادرت سفينة “بانستار أكرو” ميناء بوسان مساء السبت، متجهة عبر الممر البحري الشمالي إلى أوروبا، حيث من المقرر أن تتوقف في موانئ فيليكستاو البريطانية، وروتردام الهولندية، وغدانسك البولندية، قبل أن تعود إلى كوريا الجنوبية، وفقًا لوزارة المحيطات الكورية الجنوبية. وتُعد الرحلة أول اختبار تجاري كوري جنوبي للممر البحري الشمالي، وهو طريق ملاحي في القطب الشمالي تأمل الحكومات وشركات الشحن والمصدرون في أن يربط بين المصنعين الآسيويين والأسواق الأوروبية.
وتقول سيول إن الممر البحري الشمالي يمكن أن يقلص زمن الإبحار إلى أوروبا بنحو 10 أيام مقارنة بالمرور عبر قناة السويس، بما يخفض تكاليف الوقود وغيرها من تكاليف التشغيل في قطاع تُعد فيه كل يوم إضافي في البحر عاملًا مهمًا. كما يمكن أن يوفر الممر بديلًا عن النقاط البحرية المعرضة للخطر، خاصةً مع تراجع حركة التجارة عبر مضيق هرمز بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
أما الصين، فقد قطعت شوطاً أكبر، حيث تشغّل خدمات موسمية لنقل الحاويات عبر القطب الشمالي منذ عام 2023. وفي هذا الشهر، أطلقت ما أعلنت أنه أول خط منتظم عبر الممر البحري الشمالي إلى أوروبا. فقد انطلقت سفينة الحاويات “دبي تاور” من ميناء نينغبو الصيني في 15 أغسطس، لتكون أول خدمة منتظمة لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا عبر المحيط المتجمد الشمالي. وتقول شركة “سي ليجند”، المالكة الصينية للسفينة، إنها ستقطع الرحلة البالغة 5 آلاف كيلومتر إلى فيليكستاو في نحو 20 يومًا، أي في نصف المدة تقريبًا التي تستغرقها الرحلات عبر المسار التقليدي لقناة السويس، ما يسمح كذلك بتفادي المرور بالمناطق المضطربة وغير الآمنة نسبياً في الشرق الأوسط.
منذ عام 2018، طرحت بكين رؤيتها لما أسمته “طريق الحرير القطبي”، في محاولة لتوسيع حضورها الاقتصادي في منطقة القطب الشمالي عبر الشحن والطاقة والتعدين والبنية التحتية. وتنظر الصين أيضًا إلى الممر من زاوية أمن الطاقة، فاعتمادها الكبير على مضيق ملقا يمثل نقطة ضعف استراتيجية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من وارداتها من الطاقة. لكن طموحات الصين في القطب الشمالي تثير قلق الدول الغربية، فالصين ليست دولة قطبية بالمعنى الجغرافي، ومع ذلك أعلنت نفسها “دولة شبه قطبية”.
ولا يزال الممر يواجه تحديات عدة، أبرزها موسمية الملاحة، حيث تتركز الرحلات في الأشهر الأكثر دفئًا عندما يتراجع الجليد، بينما تتطلب الملاحة خلال بقية العام سفنًا ذات هياكل معززة وقد تستلزم مرافقة كاسحات جليد روسية، ما يرفع التكاليف ويحد من الميزة السعرية التي يوفرها اختصار المسافة. كما أن ارتفاع تكاليف التأمين ومحدودية البنية التحتية اللازمة للإصلاح والإنقاذ في هذه المنطقة النائية والقاسية يزيدان من المخاطر التشغيلية، في حين أن محدودية حجم السفن القادرة على استخدام الطريق تحول دون قدرته حاليًا على استيعاب أحجام التجارة الهائلة التي تمر عبر قناة السويس. وتكشف الأرقام حجم الفارق؛ فقد بلغ الشحن العابر للممر البحري الشمالي نحو 3.2 ملايين طن في عام 2025، مقارنة بنحو 464 مليون طن عبر قناة السويس.
كما أن ذوبان الجليد يلعب دوراً مهماً، فقد أدى تراجع مساحة الجليد في القطب الشمالي إلى جعل الممر أكثر انفتاحًا خلال أشهر الصيف، ما يمنح شركات الشحن فرصة للوصول إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية عبر مسافة أقصر. لكن ذوبان الجليد لا يعني أن الطريق أصبح متاحًا، فجزء كبير من الممر البحري الشمالي يمر بمحاذاة الساحل الروسي، كما أن موسكو تدير جوانب أساسية من الملاحة فيه. وتحتاج السفن إلى تصاريح وخدمات ومساعدات مختلفة، وقد تحتاج إلى كاسحات جليد روسية. وهذا يجعل أي توسع تجاري في الطريق مرتبطًا بعلاقة الشركات والدول بروسيا. وتبدو هذه المشكلة أقل حدة للصين نظرًا إلى عمق العلاقات الروسية الصينية، أما كوريا الجنوبية، فتجد نفسها في وضع أكثر حساسية، إذ تحاول الاستفادة من الطريق دون الدخول في تعارض مع العقوبات الغربية المفروضة على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا. وهذا التعاون الصيني الروسي المحتمل يثير قلق دول غربية تخشى أن يتحول النشاط الاقتصادي إلى نفوذ استراتيجي وعسكري.
وفي النهاية، فإن سفينة “دبي تاور” الصينية و”بانستار أكرو” الكورية الجنوبية تشيران إلى أن الممر البحري الشمالي بدأ يدخل حسابات شركات الشحن والدول الآسيوية بصورة أكثر جدية. وقد يمنح الممر البحري الشمالي القوى التجارية خيارًا إضافيًا مع استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط.
المصادر:
https://www.ft.com/content/3b4c4dc2-3b26-4973-b1c3-4286bc072bb2?syn-25a6b1a6=1
https://www.ft.com/content/3b4c4dc2-3b26-4973-b1c3-4286bc072bb2?syn-25a6b1a6=1
https://www.economist.com/china/2026/08/20/the-promise-and-the-pitfalls-of-chinas-new-arctic-shipping-route
https://www.economist.com/interactive/business/2026/08/19/chinese-firms-are-wrapping-their-supply-chains-around-the-globe?utm_campaign=r.the-economist-pro&utm_medium=email.internal-newsletter.np&utm_source=salesforce-marketing-cloud&utm_term=8/26/2026&utm_id=2226234
https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/8/22/%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%84%D8%AD%D9%82-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B1
