ريم حبيب ( روائية)

“ضَيَّعني صغيراً، وحَمَّلني دمه كبيراً”؛ بهذه العبارة الكثيفة التي تختصر الماضي والحاضر والمستقبل، سجّل امرؤ القيس لحظة تحوّله التاريخي من فتى ماجن طريد إلى ثائر يطلب الثأر لأبيه، وصاغ – من دون أن يدري – الثيمة الكبرى لهذا الشرق: ثيمة الدم والثأر، والقدر الذي يلاحق الإنسان مهما حاول الفرار منه.
لم يكن امرؤ القيس مجرّد شاعر فذّ أو أمير مطارد؛ بل كان شخصية مركّبة اختلف الرواة في سيرتها، فبعضهم أحاطه بهالة أسطورية، وبعضهم جعله أوّل من قصد القصائد، وآخرون نسبوا شاعريته إلى أمّه فاطمة بنت ربيعة، أخت كليب ومهلهل، ليجعلوه امتداداً لبطولة تغلبية عريقة. غير أنّ ما يميز امرأ القيس حقاً هو تمرّده المبكّر على السلطة، إذ زهد في الملك، وانصرف إلى الشعر والخمر والحرية، فعدّه الملوك غير صالح لإدارة العروش، ونفاه أبوه بسبب مجونه، ليعيش طريداً يعاقر الخمر مع صعاليك العرب، ظانّاً أن الشعر سيعصمه من استحقاقات الدم والسياسة.
لكنّ خبر مقتل أبيه على يد بني أسد أوقف الزمن في عينيه، فانهارت حريته الفردية، وتحول الشاعر الحرّ إلى بطل تراجيدي أقسم ألا يذوق الخمر حتى يأخذ بثأر أبيه. خاض حرباً أنهكته، وكسر سهام الأصنام في “ذو الخلصة” حين نهته عن القتال، معلناً تمرّده على كل المقادير. وحين ضاقت به العرب، يمّم وجهه نحو القسطنطينية ليستنجد بقيصر الروم، فكان التحالف وهماً جديداً؛ إذ منح القيصر جيشاً لا رغبة فيه إلا استنزاف القبائل وتوسيع نفوذ الروم. ثم لاحق الغدر امرأ القيس في محطته الأخيرة، فأرسل له القيصر قميصاً مسموماً مذهباً إثر وشاية ادّعت أنه شبّب بابنته، فارتدى القميص وتساقط جلده وتفشّت القروح في جسده، ليموت غريباً في أرض غريبة، ويُلقّب بـ “ذي القروح”، تاركاً خلفه سيرة الشاعر الذي هرب من الملك إلى الشعر، فلاحقته لعنة الدماء.
لم يكن تحالف امرئ القيس مع الخارج خطوة عسكرية فحسب، بل كان تجسيداً لوهم الخلاص الذي يراود كل من يفرّ من عجز الداخل إلى إغراء الخارج. وثق امرؤ القيس بالقيصر مدفوعاً بكبرياء الإمارة، ظانّاً أن الإمبراطوريات تتعامل بمنطق النبل، بينما كانت حسابات القيصر مختلفة تماماً. وهكذا دفع امرؤ القيس الثمن الأزلي لمن يضع مصيره بيد الغريب.
من منظور علم النفس التحليلي، تحوّل امرؤ القيس إلى بطل تراجيدي لأن اللا وعي الجمعي العربي كان بحاجة إلى نموذج أولي يجسّد صراع الإنسان الأعزل مع القدر المجهول. فرحلته لم تكن وقائع تاريخية فحسب، بل كانت رحلة تحوّل نفسي عميق: من حياة اللهو والمجون إلى عقدة الذنب والمطالبة بالثأر، وهو ما خلق تمزقاً وجودياً كبيراً. أما تجاوز الواقع، فكان نتيجة الذهنية العربية التي أبت أن ينتهي الصراع النفسي لامرئ القيس بموت عادي بمرض الجدري، فصنعت له قصة القميص المسموم المستوردة من الأساطير اليونانية، تحديداً أسطورة هرقل، لتمنح موته طابعاً ملحمياً.
فالمخيال العربي، بوصفه مخيالاً شفاهياً وبلاغياً، لم يكن يرى في الأسطرة هروباً من الواقع، بل ضرورة وجودية وجمالية؛ إذ تحيل الأسطورة الشتات الفردي إلى وحدة وجودية ومصير مشترك، وتحوّل الفرد إلى رمز تتقاطع فيه قيم القبيلة والشرف والبطولة. لذلك احتاجت القبيلة إلى بطل رمزي يمثل شجاعتها وتراثها، فحوّلت الأفراد إلى أساطير معصومة أو خارقة، وهي آلية نفسية لا تزال المجتمعات تمارسها حتى اليوم في صناعة الرموز والقيادات، حيث يغيب العقل التحليلي لصالح المبالغة العاطفية.
غير أنّ امرأ القيس، كما يعكسه شعره، لم يقدّم نفسه كبطل أسطوري، بل كإنسان ذي وجدان طليعي يبتكر لغة جديدة ويشعر بالضياع أمام تحولات عصره الكبرى. فقد عاش في مرحلة مخاض سياسي في القرن السادس الميلادي، مع انهيار مملكة كندة، وتشتت قبيلته، وانتقال العرب من التكتل الموحد إلى صراع القبائل والشتات.
وتظهر مشاعر العجز والضعف في شعره بوضوح، حتى لا يكاد يفرّق نهاره عن ليله:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدولهُ… عليَّ بألوان الهموم ليبتلي
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي…. بصبحٍ وما الإصباح فيك بأمثلِ
وهو القائل:
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ… بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
بغضّ النظر عن حقيقة ما قيل في سيرته، فإنّ حكايته تحيلنا إلى إرث إنساني غنيّ يتقاطع مع ما نؤمن به وما نبحث عنه، وتمنحنا فرصة لفهم الواقع وعيش التجربة الوجودية. فامرؤ القيس ليس مجرد أمير جاهلي ضيّع الملك صغيراً وطالب به كبيراً؛ بل هو المرآة الحقيقية لحكاية الإنسان العربي عبر العصور.
فأياً كان موقفه السياسي، وأياً كان قراره في اعتزال الخصام أو الهروب من الصراعات، لا مهرب له من القدر الجمعي؛ سيجد نفسه مجبراً على الهجرة، أو فقدان المستقبل، أو خوض صراعات ليست معركته، لمجرّد أنه ولد في هذا الامتداد التاريخي. ليس لأنه اختار أن يكون لاعباً، بل لأنه كُتب عليه أن يكون مسرحاً لهذه المعارك.
وهكذا يغدو امرؤ القيس رمزاً للشباب العربي اليوم: ذلك الشاب الذي يطمح إلى الحرية، ويهرب من أعباء السياسة، ويبحث عن ذاته في الشعر أو الفن أو الحياة، لكنه يجد نفسه – مثل امرئ القيس – محاصراً بقدرٍ أكبر منه، وبصراعات لم يخترها، وبدماء لم يوقّع عليها، وبأسئلة وجودية لا تنتهي.
