سامي كليب
قال أميرُ الشعراء أحمد شوقي رحمه الله:
وَمَا نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي
وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَمَا استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ
إِذَا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكاب..
بين الاقدام العظيم، والاقدام الذهبية التي جابت الملاعب الأميركية طولا وعرضا، حقق منتخب مصر ما لم يكن أحد ينتظرُه في مباراته الثالثة التي يفوز بها، فحقق فوزا إضافيا ضد منتخب استراليا.
كيف لا يفرح المصريون ومعهم كل العرب والافارقة بهذا الفوز المُظفّر الذي يحققونه للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم… سهرنا وسهرت مصرُ كلُّها بعد انتصار منتخب الفراعنة على منافسه الأسترالي، حتى كادت عقارب السياسية والأمن وكل شيء تتوقف عند تلك اللحظة التي سجل فيها إمام عاشور الهدف الأول في الدقيقة الثالثة عشر ضد منتخب أستراليا… وكرّت السُبحة حتى الفوز النهائي…
وعلى أهمية هذا الفوز، فإن ما زادُ الجمالَ جمالاً والفرحةَ افراحًا، هو رفعُ مدرب مصر حسام حسن علم فلسطين في قلب مدرجّات الولايات المتحدة الأميركية، فرجّعت صداه أعلام مصرَ التي خرجت من قلب الدمار في غزّة لتجعل من هذه اللحظة الكروية محطة تآلف ومحبة وفرح، وما هي الا سويعاتٌ قليلة حتى صارت أعلام الفراعنة في كل بيت وقلب عربي.
هي لحظةٌ رياضية سياسية عربية افريقية إنسانية بامتياز، تجاوزت حدود الرياضة لتؤكد أن كرة القدم في العالم العربي ليست مجرد لعبة تُحسم بالأهداف، بل مساحة للتعبير عن الوجدان الجمعي والهوية والقضايا التي لا تستطيع الجماهير أن تنساها، حتى في أكثر لحظات الفرح.
هي لحظةُ فرحٍ طال انتظارُه وعزَّ وجودُه في ليالي الحروب والدماء والدموع، لحظةٌ باتت فيها قمصان المنتخبات وأعلامُها تحمل أحياناً ما تعجز عنه المنابر السياسية. فصار منتخب مصر ومنتخب المغرب مصدر أمل يتجاوز شباك الملاعب نحو أمل النصر في زمن الإبادة والقتل والموت.
يكفي أن نلتفت إلى أعلام مصرَ تُرفع من بين الموت والدمار في غزة أمس قبيل وخلال وبعد فوز منتخب مصر، لنُدرك كم أنَّ فكرة النصر تتوق لها القلوب، وكم أن هذا الشعب الصابر الصامد منذ نحو ثمانية عقود على أرضه، يفرح بمد الجسور العربية حتّى ولو كانت عبر كرة القدم ومن خلال ما بقي من شاشات صغيرة في الأرض المُبادة.
رفعت غزة أعلامَ مصر والمغرب في الشوارع ومراكز الإيواء، لا لأن كرة القدم تستطيع إنهاء الحرب، بل لأنها تمنح الناس لحظة فرح تاقوا إليها، ولحظة إلفة تُبعدهم عن وحدتهم المريرة، وتعزز في قلوبهم شعور النصر والكرامة
فحين تضيق الحياة تحت وطأة الحرب والحصار، يصبح هدف في مرمى الخصم، أو علم فلسطيني يرفرف فوق منصة التتويج، أكثر من مجرد مشهد رياضي؛ إنه إعلان بأن الشعوب لا تزال قادرة على إنتاج الأمل، حتى في أكثر الأزمنة قسوة.
لهذا اليوم معانٍ رائعة ستبقى راسخة في قلوب الاجيال كلحظة نصر وفرح عربي افريقي انساني وربما ايضا لحظة انتقام الكرامة أمام كل هذا الدمار البشري والعمراني… وبقدر ما فرحت الشعوب العربية والافريقية وكثيرٌ ممن ادهشتم مفاجأة مصر، كانت خيبة أمل إسرائيل، التي كلما فرح العرب انزعجت، وكلما حقق العرب نصرا ولو كرويا قلقت…فكيف اذا كان هذا النصر ملفوفًا بعلم فلسطين.
منصات إسرائيلية عديدة من منصات التواصل الاجتماعى أعربت عن غضبها من حسام حسن لرفعه العلم الفلسطينى بعد فوز منتخب مصر واعتبرته تحديًا واضحًا ، ويمثل انتهاكا لقواعد الفيفا..
لكن حسام حسن الذي اهدى فوز فريقه الرائع لبلاده ولفلسطين زاد التحدي تحديا غير آبه بما قالته او تقوله إسرائيل وقال : «قلبى وروحى معهم. رحم الله شهداءهم. أهدى هذا الفوز للشعب المصرى والشعب الفلسطينى، الشعبين الطيبين والنبيلين.»
فشكرا لك أيها النبيل وشكرا لمنتخب مصر الرائع، والف مبروك لمصر وفلسطين والعرب والافارقة هذا الفوز المظفّر والذي يضاف الى فوز منتخبي مصر والمغرب في أكثر من مباراة.