عاد فيروس هانتا إلى واجهة الاهتمام العالمي بعد حادثة وفاة زوجين على متن سفينة سياحية كانت متجهة من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، ما أثار موجة من القلق والتساؤلات حول احتمال ظهور جائحة جديدة شبيهة بكوفيد-19. لكن الخبراء ومنظمات الصحة العالمية يؤكدون حتى الآن أن الوضع لا يدعو إلى الذعر، رغم أهمية الحذر والرقابة الصحية المستمرة.
ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية حتى منتصف مايو 2026، تم تسجيل 11 حالة مرتبطة بالتفشي على متن السفينة، بينها ثلاث وفيات، قبل أن يتم لاحقاً تعديل العدد إلى 10 حالات بعد استبعاد حالة أمريكية جاءت نتيجتها سلبية. كما تشير تقديرات المنظمة إلى تسجيل ما بين 10 آلاف إلى أكثر من 100 ألف إصابة بفيروسات هانتا سنوياً حول العالم، خاصة في آسيا وأوروبا، بينما سُجلت في الأمريكتين 229 إصابة خلال عام 2025 بينها 59 وفاة، ما يعكس خطورة المرض على الأفراد رغم محدودية انتشاره الجماعي.
فيروس هانتا ليس فيروساً جديداً، بل تم اكتشافه منذ عقود، وينتمي إلى مجموعة الفيروسات المنقولة عبر القوارض. ويُصاب الإنسان عادة نتيجة استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو فضلات القوارض، أو عبر لمس أسطح ملوثة ثم ملامسة الأنف أو الفم. وتعد القوارض، خصوصاً “فأر الغزلان” في الأمريكتين، المستودع الطبيعي للفيروس، بينما يُعتبر الإنسان مضيفاً عرضياً وليس ناقلاً أساسياً له.
وتشير البيانات الصادرة عن خبراء الصحة العامة ومنظمة الصحة العالمية إلى أن فيروس هانتا يختلف جذرياً عن الفيروسات التنفسية واسعة الانتشار مثل كورونا، إذ إن قدرته على الانتقال بين البشر محدودة للغاية. ورغم تسجيل حالات نادرة من انتقال العدوى البشرية عبر ما يعرف بـ“سلالة أنديز” في أمريكا الجنوبية، فإن هذا الانتقال يحتاج إلى مخالطة وثيقة ومطولة، ولا يمتلك الفيروس حتى الآن القدرة البيولوجية التي تسمح له بإحداث تفشٍ عالمي واسع.
ويؤكد متخصصون في علم الأوبئة أن حادثة السفينة السياحية الأخيرة تم التعامل معها وفق بروتوكولات الصحة البحرية الدولية، حيث جرى عزل المخالطين ومراقبتهم طبياً بسرعة، ما حال دون حدوث انتشار أوسع. لذلك يرى الخبراء أن ما جرى يمثل “احتواءً ناجحاً” وليس بداية جائحة عالمية.
وتختلف أعراض فيروس هانتا بحسب السلالة والمنطقة الجغرافية. ففي الأمريكتين يسبب الفيروس ما يعرف بمتلازمة هانتا الرئوية، وهي حالة خطيرة تستهدف الرئتين وتؤدي إلى ضيق حاد في التنفس وتراكم السوائل داخل الرئتين، وقد تكون قاتلة إذا لم تُكتشف مبكراً. أما في أوروبا وآسيا، فتظهر الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية، والتي تؤثر على الكلى والجهاز الوعائي وقد تسبب نزيفاً داخلياً وفشلاً كلوياً حاداً.
ورغم خطورة المرض على الأفراد المصابين، فإن المجتمع العلمي لا يرى حتى الآن ضرورة ملحة لإطلاق حملات تطعيم عالمية ضده، خاصة أنه لا يوجد لقاح معتمد تجارياً حتى مايو 2026. ومع ذلك، تتواصل الأبحاث لتطوير لقاحات حديثة تعتمد على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال “mRNA”، وقد أظهرت تجارب أولية نتائج واعدة في المختبرات وعلى الحيوانات.
ويحذر خبراء الصحة من الاستهانة بالفيروس، خصوصاً في المناطق الريفية أو المهجورة التي تنتشر فيها القوارض. ويوصى بتجنب استنشاق الغبار في الأماكن المغلقة القديمة، وعدم تنظيف فضلات القوارض بطريقة جافة، إضافة إلى استخدام الكمامات الواقية وتعقيم الأماكن الملوثة جيداً.
وفي ظل تصاعد التحذيرات العالمية من أزمات صحية مستقبلية، يرى المختصون أن أخطر ما يواجه العالم ليس فيروس هانتا وحده، بل ضعف أنظمة الرصد الصحي وتراجع التعاون الدولي. لذلك يبقى الوعي المجتمعي والشفافية العلمية والاستجابة المبكرة عناصر أساسية لمنع أي تهديد وبائي مستقبلي.
ويبقى فيروس هانتا حتى الآن تحت السيطرة، لكن الرسالة الأهم التي يكررها العلماء هي أن الاستعداد والوقاية العلمية يظلان خط الدفاع الأول أمام أي خطر صحي عالمي جديد.
