سامي كليب: حين كانت بيروت تشتعل بالقصف المتبادل الذي أثاره تناقض المواقف الداخلية بشأن اتفاق ١٧ أيار بين لبنان وإسرائيل في عهد الرئيس السابق أمين الجميل، وحين كانت سوريا حافظ الأسد توظّف كل التناقضات الداخلية اللُبنانية في صفقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية بعيد الاجتياح الإسرائيلي للُبنان، وتوازن في تحالفاتها بين الشرق السوفياتي والغرب، وبين إيران والخليج عبر لُبنان وعلى حسابه، كان نبيه بري (قائد حركة أمل آنذاك) يجذب الصحافة العالمية والعربية والمحليّة إلى مكان إقامته الخطير في “بربور” يرفع اللهجة حين يرى ذلك ضروريًّا، ويُخفضها حين تحتاج التسويات ذلك، ويُشكّل في الحالتين رقمًا صعبًا. وكنا كلما زرناه ونحن في مقتبل عمرنا الصحفي، نمرّ تحت القصف والقنابل التي لم توفّر ذاك المكان. تشاء صدف التاريخ وأهوال الجغرافيا الحاليّة، أن يتصدّر نبيه بري نفسه المشهد بعد نحو ٤٣ عامًا على اتفاق ١٧ أيار، فهو الوحيد الذي يُشكّل اليوم محور التقاطُعات المحليّة والعربيّة والدوليّة، ويستطيع بكلمة واحدة أن يُمرّر اتفاق لُبنان مع إسرائيل أو يعطّل مفاعيله، مع إدراكه التام بأنَّ ثمن التعطيل هذه المرّة أكبر بكثير من القدرة على تحمّله. الرجل الذي ما زال يُمارس رياضته اليوميّة داخل منزله ويناقش أمور السياسية والحاجات الاجتماعية مع زواره واحدًا بعد واحد عبر السير معهم على طريقة المدرسة “المشائية” لأرسطو، بات في الثامنة والثمانين من العُمر، وهو بالتالي لن يترك نقطة تفاوضية سوداء في تاريخه، ولن يمرّر أي اتفاق سلام مع إسرائيل يكون استسلامًا، ولن يقبل بأي اتفاقية لا تسحب عدو بلاده من أرضه وتعيد أهل الجنوب الى جنوبه، وتعيد الأسرى وتكون مقرونة بضماناتٍ أميركية أكيدة. البُعد الشخصي والنفسي في هذه الحرب كبير الأهمية بالنسبة لنبيه بري الذي كتب قصائد لمقاومين استشهدوا وفي مقدمها بلال فحص، وأرسل شباب حركة أمل يقاتلون الاحتلال عند أبواب بيروت في خلدة وغيرها، والذي عمل لنهضة الجنوب وأهله، والذي قاوم الاقطاع وكان يسخر حتى من مُدّعي الدين (مشايخ العسل كما كان يسميهم) ويجاهد لتوسيع الحضور الشيعي في مؤسسات الدولية والمجتمع من وظائف رسمية وتربوية ومعاهد ومستشفيات وغيرها. يُحزنه أن يُدمّر الجنوب في حياته، ويلوم ضمنيًّا، وفي بعض المرّات علانية، حزب الله على حربيه الأخيرتين، ولن يقبل بأي اتفاق لا يعيد بناء ما تعمّر ويحفظ لأهل الجنوب والبقاع والضاحية كرامتهم. ووليد جنبلاط الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، صديقه الوفيّ، سيبقى الى جانبه في اللحظات المصيريّة هذه، وهما سيُشكّلان نواةً لأي حراك مناهض لأي اتفاقية تُعطي إسرائيل أكثر مما تأخذ منها، وهما يسعيان حاليًّا من خلال مروحة الاتصالات الواسعة التي يقومان بها إلى الإبقاء على التماسك الداخلي، وتخفيف الاندفاعة نحو التسرّع في توقيع اتفاق مع إسرائيل بضغوط أميركيّة، ويعملان على أن تبقى الأمور التفاوضية في الوقت الراهن في إطارها الأمني، حتّى التأكد من أن أي اتفاق سيضمن فعلا انسحابات إسرائيليا ووقف الحرب مع ضمانات وإعادة إعمار. نبيه بري يريد كجنبلاط وكثير من اللُبنانيين حصرية السلاح بيد الدولة، لكن بعد الحرب الإيرانية الأميركية والحرب الإسرائيلية اللبنانية الأخيرة، شعر الرجل، الذي يتابع الحرب بحذافيرها، بأن المحور الموالي لإيران قد تماسك وفاجأ ترامب ونتنياهو، وهو مقتنع بأنه يمكن انتهاز هذه اللحظة لفرض معادلة جديدة، رغم خطورتها وذلك لتحسين شروط التفاوض وليس للتسرّع. وهو يُدرك تمامًا أن دولاً عربية مركزية وفي مقدمها السعودية (التي تُكِّنُ له تقديرًا واضحًا)، ومصر، يشكلان غطاءً عربيًّا للُبنان ولا يرغبان بتقديم أي هدايا لسيدِ الإبادة في العصر الجديد والمجرم المُلاحَق من محكمةِ العدل الدولية… حتّى الان رئيس الجمهورية يرفع ٤ نقاط شعارًا للمفاوضات وهي كلها محمودة من قبل الجميع : وقف العدوان، وانسحاب الاحتلال، وإعادة الاسرى والنازحين، وبطبيعة الحال إعادة الإعمار …. نبيه بري موافق على كل ذلك، وهو يدعم خطوات الرئيس في ذلك، وهو سارع للتدخل حين ارتفعت لهجة تخوين وتهديد الرئيس ورئيس الحكومة نواف سلام لحمايتهما، وهو لم يعارض المفاوضات، بل كان ركنا أساسيًّا منها حين تعلّق الأمر بالحدود البحرية وغيرها، لكن أن يقبل بتوقيع اتفاق سلام وهو قد بلغ من العمر ما بلغ، وصار رقمًا صعبا في معادلة السياسية والحرب والدولة متربعًا على تاريخ استثنائي من العمل السياسي والحزبي ، فهذا مستحيلٌ دون انسحاب كامل لإسرائيل، ودون أفق سلام عربي أوسع ينطلق خصوصا من مبادرة السلام العربية التي استضافتها بيروت في العام ٢٠٠٢ بعد عشرين عاما على احتلال العدو عاصمة لُبنان. فلا تفسروا عنادَه من منطلقات صغيرة ومن زواريب لُبنان، بل من فكرته الأوسع للحرب والسلام مع عدو لم ير منه الا كل شر…وهو حين يعاند فليس المقصود رئيس الجمهورية أو الحكومة بل يريد إرباك الساحة درءًا لضغوط أميركية أكبر قد ينصاع إليها بعض ساسة لُبنان..
- الرئيسية
- آخر خبر
- افتتاحية
- استراتيجيا
- مقال اليوم
- صحافة
- رقم اليوم
- الشاشة الذهبية
- ثقافة
- إقتصاد
- تكنولوجيا
- رياضة
- طرفة
من نحن
نؤمن بأن الكلمة الصادقة والفكر الحر هما أساس نهضة المجتمعات، لذا نسعى لتقديم محتوى يعكس الوعي، ويحفّز على التفكير، ويعزّز الحوار البنّاء
كلمات البحث
اسبانيا
اسرائيل
افريقيا
اقتصاد
الجزائر
السعودية
السنغال
السودان
الشرع
الصومال
الصين
المغرب
النادي الكتالوني
النجم الارجنتيني
اميركا
انتر ميامي
ايران
برشلونة
ترامب
تركيا
ثقافة
حرب
دولار
ذهب
روسيا
رونالدو
رياضة
سوريا
سورية
صحة
غزة
فرنسا
فلسطين
فن
قطر
كرة القدم
لبنان
لعبة_الأمم
لعبة الأمم
مصر
موريتانيا
ميسي
نتنياهو
نفط
نيجيريا
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع الوكالة العربية الإفريقية للانباء © 2025
