أيمن مرابط: في بيروت، وفي لبنان، تلتقي كل المتناقضات مع بعضها، الرصّاص والحمام يطيران في الهواء معا، بشاعة الحرب وظلامها تتحارب مع نور الحياة وجمالها، شعب يُقبل على الحياة في أمن وسلام، وآخرون يضعون أعمارهم على كفوفهم، عدوّ يرصد سقوط المدينة والبلد بيد أبنائه، وصديق يُلملم جراح المدينة والتاريخ ويُعيد طرز الحياة بالمقاومة.
لست أول من يكتب عن بيروت ولن أكون آخرها، أو عن الضاحية وبنت جبيل والخيام وبعلبك وإهدن، فهذا البلد يُسيل بحارا من المداد، ويكتب لوحده صفحات في كتب التاريخ تظلّ راسخة في ذاكرة الحضارة، لا تُمحى ولا تُنسى، ويسيل أيضا، لعاب الطامعين في السيطرة عنه وبلعه، لكنّه وطن لا يُبلع ولا يُهضم.
لم أزر بيروت قط، لكنّني أعرفها عن ظهر قلب، وأعرف شوارعها ومناطقها وأحيائها وضواحيها وطوائفها، عرفتها في “شريد المنازل” للراحل جبور الدويهي، وفي ملحمة “بيروت مدينة العالم” لربيع جابر، و “طيور الهوليداي إن”، و”بيريتوس مدينة تحت الأرض”، لربيع جابر أيضا، الروائي الذي عرفته عن طريق صديقي الروائي، وأعمال صنع الله إبراهيم وحنان الشيخ ورضوى عاشور وأشعار نزار قباني، وربّما لم أعش يوما شعور الألم بفراق مدينة لم أزرها، لكنّني أحترق كل يوم شوقا لها.
عرفت بيروت عبر الصوت الفيروزي الذي صدح من قلبها “لبيروت من قلبي سلام”، والراحل أحمد قعبور الذي نادى لأبنائها “أناديكم وأشدّ على أياديكم”، وعبر الصوت الوديع الصافي الذي صدح ب “لبنان يا قطعة من السماء”، وأيضا عبر صوت كان صاحبه ألثغ اللسان رسّخ المشهد الأسطوري سنة 2006 حين قال على الهواء “انظروا إليها تحترق”، وأصوات كثيرة كانت هي جزء من ذاكرة المدينة الراسخة، وغرّست حبّها في قلوب الملايين من مختلف الأجيال.
في بيروت، يتشكّل الوعي والإدراك والثقافة والمقاومة والصمود، وتتشكّل الحياة والحب والإنسانية، رغما عن الواقع المرير، والدمار الهائل، والركّام المتراكم جرّاء الحروب الشعواء التي تهاطلت صواريخها وقذائفها على كلّ شيء، والعدوّ المتربص الحاقد على مدينة كلّما أوغل وتوحّش في تدميرها، إلّا وكانت هي المتفوّقة عليه والأبعد عن يديه، ورغم أنّ هذا العدو يحاول محو تاريخ وحضارة في كل حرب، تكتب له المدينة بدماء أبناءها فصلا جديدا من المجد لهم، وفصلا من الذلّ والفشل والجرائم له.
لا يُمكن لبيروت إلّا أن تكون مدينة مقاومة ضد أي عدوّ، ومدينة حياة وسلام وثقافة وحضارة، لا يليق بها أي شيء آخر، ولا يمكن أن يحدث فيها أي شذوذ عن هذه الطبّاع، فهي لا تقبل من يخالف طبيعتها وطباعها، وعدوّها اليوم واضح وضوح الشمس لا يمكن حجبه بأي غربال، “إسرائيل” التي لا تاريخ ولا حاضر ولا مستقبل لها، العدوّ الحاقد على بيروت وغزة والقدس وغزة والقاهرة ودمشق وطهران وكل المدن والقرى والجبال والأنهار، فقط لأنّ لها ذاكرة وشعب وحضارة متجذّرة في عمق الزمن، بينما هو مهما حاول صنعها، فهي مثقوبة ومتّسخة بجرائم القتل والتدمير والحصار والتجويع والإبادة، ولا يمكن لها أن تستقرّ ولا أن تستمر.
إذا أردت أن أتحدّث عن بيروت، أعلم أنّني لن أوفّي حقّها بالكلمات الرنّانة، لكنّها المشاعر التي تولّدت منذ عرفتها عبر شاشة التلفاز في الأخبار حتى قرأت عنها في كتب الأدب والتاريخ والسياسة، وازدادت المشاعر حبّا وغراما حين التقيت عددا من أبناءها في الدار البيضاء والرباط، وكانت لهذه المدينة دور وأثر عميق في رسم ملامح مسار شابّ في الصحافة والسياسة والدراسة، شبّ على حب بيروت كحبّه لمدينته وقريته حيث أصوله وجذوره وبلده، ليصبح هذا الحبّ أبديا ومتشابكا وغير قابل للمحو.
في بيروت، في ضاحيتها الجنوبية، في بنت جبيل والخيام وقانا والنبطية، في جزين ونيحا ودير القمر، ومرجعيون وميس الجبل، في الليطاني والزهراني، في بعلبك وزحلة وراشيا، في جبيل وطرابلس وإهدن، ملاحم شعب عتيد، وشموخ شجر أرز عنيد، وأنهار تجري في جنان الأرض المروية بدماء الأبناء الذين لم يرضوا الذلّ والإهانة ولو لساعة، فأذلّوا العدوّ الحاقد، الذي أراد أن يقهرهم عبر “الظلام الأبدي” و “زئير الأسد”، فتحوّل الظلام إلى نور ساطع، كلّما أراد العدو إطفاءه، إلّا وأتمّه الله، فالله متم لنوره.
