“مصر تقف إلى جانب لبنان دولةً وقيادةً وشعباً، وهي على استعداد لتلبية احتياجاته في هذه المرحلة الدقيقة”… بهذه العبارة اختصر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي موقف بلاده من قلب قصر بعبدا، واضعاً زيارته إلى بيروت في إطار يتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى ما يشبه إعلان نوايا سياسي واضح، يوازن بين الدعم والتحذير.
في توقيت لبناني بالغ الحساسية، جاءت الزيارة محمّلة بإشارات متعددة الاتجاهات. فمنذ لحظة وصوله إلى مطار رفيق الحريري الدولي، بدا أن القاهرة لا تتحرك لتسجيل حضور عابر، بل لتثبيت موقعها في معادلة إقليمية تتبدل ملامحها بسرعة، ولإعادة تأكيد دورها كمرجعية عربية تسعى إلى إبقاء لبنان ضمن دائرة الاهتمام.

في بعبدا… دعم مشروط بانتظام الدولة
في لقاءاته الرسمية، ولا سيما مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، قدّم عبد العاطي خطاباً متماسكاً يجمع بين وضوح الدعم ودقة الرسائل. لم يتردد في التأكيد على أن بلاده تضع إمكاناتها في خدمة لبنان، سياسياً وإنسانياً، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، لكنه في المقابل شدد على أن استعادة انتظام عمل المؤسسات تبقى المدخل الأساسي لأي إنقاذ فعلي.
ولم يخفِ الوزير المصري قلق القاهرة من استمرار التعثر، مشيراً إلى تكثيف الاتصالات الدبلوماسية، بالتنسيق مع فرنسا، في محاولة لخفض التصعيد واحتواء التوتر. إلا أن هذا الحراك، كما أقرّ، لم يفضِ بعد إلى نتائج ملموسة، ما يعكس حجم التعقيد الذي يطبع المشهد.
وفي واحدة من أكثر الرسائل وضوحاً، شدد عبد العاطي على ضرورة دعم مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش، لتمكينها من بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيدها، في موقف يعكس ثوابت السياسة المصرية تجاه استقرار الدول.
في المرفأ… حين يتحوّل الدعم إلى فعل
بعيداً عن القاعات الرسمية، حملت محطة مرفأ بيروت بعداً مختلفاً. هناك، أشرف الوزير المصري على تسليم شحنة مساعدات، في خطوة بدت عملية بقدر ما هي رمزية. لم تكن مجرد مبادرة إنسانية، بل رسالة سياسية ناعمة مفادها أن حضور مصر لا يقتصر على المواقف، بل يمتد إلى الميدان.
هذا التلاقي بين القول والفعل أعاد تثبيت صورة القاهرة كداعم ثابت، حتى في أكثر اللحظات تعقيداً، من دون أن تغفل حسابات التوازن الدقيقة التي تحكم تحركاتها.
تحرّك هادئ في مساحة معقدة
اللقاءات التي عقدها عبد العاطي مع عدد من المسؤولين اللبنانيين عكست مقاربة تقوم على إعادة فتح قنوات الحوار أكثر مما تسعى إلى طرح مبادرات صاخبة. هو تحرك محسوب، يدرك أن لبنان لا يحتمل مغامرات سياسية بقدر ما يحتاج إلى ترميم الثقة بين مكوناته.
هذه البراغماتية تعكس نهجاً مصرياً تقليدياً، يفضل العمل الهادئ على الاستعراض، خصوصاً في بيئة سياسية شديدة الحساسية، حيث لكل كلمة وزن، ولكل إشارة توقيت.
القاهرة تعود… ولكن بشروط المرحلة
في السياق الأوسع، لا يمكن فصل هذه الزيارة عن محاولات إعادة تثبيت الحضور العربي في لبنان، في ظل سباق إقليمي على ملء الفراغ. مصر، التي لم تغب يوماً عن المشهد اللبناني، تبدو اليوم أكثر حرصاً على إعادة تموضعها، ولكن وفق قواعد جديدة تفرضها التحولات الجارية.
بين الدعم والتحذير… خلاصة الرسالة
في المحصلة، بدت زيارة عبد العاطي أقرب إلى رسالة مركبة: دعم واضح للبنان، يقابله تذكير صريح بأن الحل يبدأ من الداخل. فالقاهرة، وإن كانت مستعدة للمساعدة، لا تنوي أن تكون بديلاً عن الدولة اللبنانية.
وبين هدوء الخطاب ووضوح المواقف، يمكن قراءة ما أراد الوزير المصري قوله من بيروت: الفرصة لا تزال قائمة، لكنها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.
