د. محمد الحوراني

لم يكن وزير الدفاع الأمريكي في الدورة الثانية للرئيس “ترامب” ليخجل من وشم عبارة” Deus Vult” على يده اليمنى التي اتشحت بالوشوم العنصرية، لابل إنه أراد أن تصل بوضوح وجلاء لا يحتملان الغموض إلى كل متابع لسيرة ومسيرة وزير الحرب الأمريكي الترامبي، وخاصة من العرب والمسلمين ولهذا فإنه وشم تحت العبارة الانكليزية عبارة كانت أشد وضوحا “كافر” في خطوة تكشف كثيرا من أفكاره وقناعته المحرضة على العنف والقتل والداعية إلى نبش عفن مرحلة ما من مراحل الحروب وقذارتها في منطقتنا والعالم، بكل ما أرخت على المنطقة وشعوبها من تحريض وفتن مازال اجترارها يوحي بأن بعض القادة السياسيين والعسكريين مازالوا أسرى هذا الخطاب الفتنوي التحضيري العائد لعام 1095 وربما قبله والذي انطلق من مجمع ” كليرمونت” الفرنسي بكل ماتحمله من أحقاد عقائدية وثقافية وتحريض مجتمعي، لا بل إن ” هيغيست” يتعامل مع الحرب الأمريكية الإسرائيلة الأخيرة من منظور ديني بحت، ولهذا فمن الطبيعي أن يدعو في لقاءاته الجنود الأمريكيين إلى التواصل مع إلههم القدير في هذه اللحظات” وفق ماورد في لقائه مع شبكة “CBS” .
وبعد يومين من وصول جثامين القتلى من الجنود الأمريكيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأثناء كلمة له في مؤتمر صحفي بالبنتاغون أكد وزير الدفاع الأمريكي على دينية الحرب مستشهدا على قناعته هذه بالمزمور 144″ مبارك الرب صخرتي، الذي يدرب يدي على الحرب وأصابعي على القتال” وهو بهذا يحاول إقناع الجمهور الأمريكي والغربي بشرعية الحرب من خلال خلفيتها الدينية وترسانتها الإيمانيّة التي يحاول تسويقها، ولعل كل مايحمله جسد وفكر وثقافة هذا الرجل ينطلق من خلفيته الإيمانية، لذلك فإن عبارة بمشيئة الله المنقوشة على جسده ماهي إلا تعزيز لهذا الفكر والنهج التكفيري التفخيخي، لا بل إن كتابه الصادر عام 2020 بعنوان : ( American Crusade) كان بمثابة رسم لخارطة الطريق التي يشتغل عليها ويدعو إلى تكريسها سياسيا وعسكريا في الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في تعاملها مع المختلفين معها وفق أولويات يحددها الساسة والعسكريون الأمريكان بالتنسيق مع الإسرائيليين، لابل إنه في كتابه هذا أعلن الحرب على كل من يهاجم أفكاره أو ينتقدها، وخاصة الأفكار السياسية والدينية المسيطرة على غالبية قادة وأفراد اليمين المتطرف، بل إنه اعتبر أن أخطر مايواجه مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية هو التيارات الفكرية سواء أكانت يسارية أو إسلامية، داعيا إلى مؤازرة ثقافية وتعليمية لهذه السياسة، وهي مؤازرة يجب أن تساند الاقتصاد والجيش الأقوى في العالم، فالمؤسسات الثقافية والتعليمية هي روح أمريكا” وهذه واحدة من أهم الوسائل التي يمكن أن تبقي أمريكا على وجه الحياة وتجعلها قادرة على مواجهة التحديات كلها مؤكدا على خطر اليسار والإسلام بل وحتى الإسلام الحقيقي الذي يراه أقرب إلى الإسلاميين، وهنا يقصد المتشددين، منه إلى المعتدلين.
من جهة أخرى فإن ” هيغسيت” يعد واحدا من أكثر المعجبين بإسرائيل وسياستها تجاه العرب والفلسطينيين، لا بل إن تصريحاته تجاه إسرائيل تنال كثيرا من الرضا والقبول في الكيان، وهو ماكان في زيارته عام 2016 وكان معلقا وقتها في قناة ” فوكس نيوز” وفيها انتقد سياسة “باراك أوباما” في الشرق الأوسط داعيا إلى السير على الخطوات الإسرائيلية ” أمريكا قادرة على التعلم من إسرائيل” وهو ماجعل صحيفة ” جيروزاليم بوست” تضعه على صدر تقريرها.
وإذا كان البعض يرى في هذا الخطاب التحريضي التفخيخي الفتنوي الدموي حالة طبيعية عند أبرز الساسة والعسكريين الأمريكان وخاصة في حربهم الأخيرة، فإن اللامنطقي واللامعقول هو أن تتسلح شريحة كبيرة من النخب الثقافية والفكرية والمتصدرة في الجامعات والأكاديميات في الوطن العربي بخطاب الكراهة هذا ناثرة سمومه على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى صفحات التواصل والصحف والمجلات وصدر الشاشات وفي قاعات المحاضرات، في خطوة تعكس تماهيها ورفدها ودعمها لهذه الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية القائمة على الاستثمار في الكراهية والدم العربي والمسلم، وهي إذ تفعل هذا فإنما تتلطى وتستظل بمظلة الحريات، بينما تشكّل خطابها وفق خلفيّاتها الدينية والأيديولوجية والعرقيّة والجغرافيّة، في إنكار واضح ومتعمد لقيم التسامح والاندماج والتنوع ومبادىء حقوق الإنسان، وهم إذ يفعلون هذا فإنما يرسمون ويعمقون معالم التحريض والقتل في خطاب الكراهية بعد أن نجحوا في إطلاق العنان للهويات المتقاتلة وتمكينها من تهشيم المجتمعات وربما تدميرها بكافة المعاني بحيث لاتقوم لها قائمة وكل هذا خدمة للمشاريع والمخططات الأخرى عن علم أو بجهل منها.
