أن تزور لبيبيا هذه الايام، فانت تأتي إليها مشغوﻻً بألف سؤال، لعلَّ أبرزها حول الوضع الأمني، فكيف إذا تعلَّق الأمر بأول مؤتمر للإعلام العربيّ في بلد انقسم حوله العرب ولم يُحسنوا بعد مساعدته على الخروج من حروبه وأزماته وانقساماته، فبقي شبه يتيم اﻻّ من بعض القلقين من تأثير أحداثه على الأمن القوميّ العربيّ،أو قُل ما بقي من هذا الأمن العربي المُشرَّع على المجهول.
لكن ما أن تطأ قدماك أرض بنغازي، وتستقبلك تلك الوجوه البشوشة والمرحّبة من الشابّات والشُبّان المُكلَّفين بمراسم المؤتمر السنوي الأول للإعلام العربي، حتّى تشعر بكثير من إلفة اللقاء الأول، وحرارة اﻻستقبال، وأناقة التنظيم، وما أن تصل إلى بهو الفندق الجديد، كما الكثير من المعالم السياحيّة والعمرانيّة الجديدة التي تنهض في بنغازي الحاملة آثار المعارك الاخيرة مع داعش وأدواتها، حتى تستقبلك شابّات أخريات في مقتبل العُمر بباقة من الورد وابتسامات أجمل من الورد.
ثمة مدن في هذا العالم الواسع والمشتعلة جوانبه بالحروب والازمات في أكثر من منطقة عربيّة، توحي لك بأنَّك بين أيادٍ أمينة وقلوب مُحبّة دون أن تُدرك السبب، فتتخلى سريعًا عن كلّ الأفكار المُسبقة التي جئت بها، وتُدرك أنَّ هذه البلاد العريقة بتاريخها وحضاراتها، والتي عرفت عصور اليونان والرومان والعثمانيّين واﻻحتلال الإيطالي، ظلمت نفسها بإعلامها الذي لم يستطع ان يخترق الجدران العربيّة رغم محاوﻻته الكثيرة والمحمودة، ومظلومة من الإعلام العربيّ الذي ﻻ يتحدَّث عنها إلا في الحروب والمصائب والأزمات.
بهذا المعنى فإن هذا المؤتمر الأول للإعلام العربي في بنغازي، والذي تشرف عليه” شركة الراية الليبية للإعلام” بتنظيم لافت واهتمام قلّ نظيره بالضيوف وهم عشرات الوجوه الإعلاميّة والثقافية والفكريّة البارزة من مختلف الدول العربية ومن كبريات المؤسسات الإعلاميّة، يبدو أكثر من ضروري لنقل الصورة الحقيقيّة عن بنغازي، المدينة الجميلة عند سواحل المتوسط والحافظة الكثير من آثار الحضارات التي تعاقبت عليها تمامًا كأثار الأزمات والحروب الباقية في بعض المباني المدمّرة او المخترقة بالرصاص والقذائف.
وإن كنت سأروي لكم يوميًّا، هذه اللحظات اﻻستثنائية التي نعيشها في بنغازي، اؤكد لكم أنّه ما أن دخلنا صباح اليوم الى ضريح الثائر الكبير عمر المختار أسد الصحراء الذي قاتل الإستعمار وأطلق ثورة كانت سبّاقة على معظم الثورات الأخرى، حتّى انتابتنا أنا والزملاء الإعلاميين رعشة ثنائية الأسباب، أولهما انك تقرأ الفاتحة على ضريح أحد أهم ثوّار تاريخنا العربي واﻻسلامي الحديث، ﻻ بل التاريخ الإنساني بمجمله ضد اﻻستعمار، وهذا كان حلم جيلنا والأجيال التي سبقت وأعقبت ذاك التاريخ النضالي المجيد، وثانيهما أنّك سُرعان ما تقارن في ذهنك بين ما عاشته ليبيا من ظلم المستعمر وقهره وجوره، وبين ما تعيشه فلسطين في هذه الإيام العصيبة والدموية والقاتلة من حرب الإبادة.

هنا الكثير من الشواهد على تلك الثورة ومؤججها يشرح لنا بعضها حفيده، فهذه آثار السلاسل والمعتقلات، وتلك المشنقة وحبلها، وبينهما الخيم التي كان يُزج فيها عشرات الألاف والتي تحولت الى ما يُشبه الهولوكوست. وفوقهما صور عمر المختار والقصائد التي كُتبت عنه، وخصوصا تلك القصيدة الرائعة بقلم أحمد شوقي، وبعض شواهد التاريخ والمجد العظيم.
ولو سألت المشرفين على الضريح وعلى المركز الثقافي المجاور والحامل اسم “مركز السلام وإدارة الأزمات”، لماذا علم فلسطين ومجسم الأقصى وصورة القدس يجاورون صورة عمر المختار، سيأتيك الجواب سريعًا من الدكتور فرج عبد العزيز نجم مدير عام المركز، بان المقاومة التي انتصرت في ليبيا ستنتصر في فلسطين عاجلاً أو آجلاً لأن عصر الإستعمار واﻻحتلال قصير مهما جار على الشعوب المقهورة، ولأن ما يحدث في غزة اليوم يُشبه إلى حد بعيد ما حصل في ليبيا عبر التاريخ.
وهو لسان حال الروائي والكاتب المُبدع عيسى عبد القيوم الذي كان قد خبر عن قرب قصة افغانستان، ووضع واحدة من أهم الروايات بعنوان ” المطر الأحمر” والتي يريد ان يوصل من خلالها قصة الشباب الذين انزلقوا إلى اتون التطرف، والتي تنبأ فيها بعود الإرهاب الى الساحات العربيّة، لكنّه وخلافًا للكثير من الكتّاب العرب والغربيّين، وصل بعد ١٠ سنوات من العمل على هذه الرواية الى نتيجة واحدة مفادها : فتشّوا على من حرّك كل هؤلاء ستجدونهم عند المخابرات الأميركية والبريطانية.
يطول بنا المقام في المركز الراشح بالثقافة والمحبة وحسن اﻻستقبال، وبعد ان نستمع فيه الزميلتان فاديا الطويل ونيكول تنوري وانا، من المثقفين وبينهم شاعرة شابة، إلى الكثير عن حياة ليبيا وأحوالها ، نخرج صوب الفضاء الرحب، فتستقبلنا المنارة التاريخية في بنغازي الشامخة قرب البحر، وإلى جانبها مبان ما زالت شاهدة على القتال ضد داعش، ثم ننزل صوب الشاطيء الساحر، ونصعد مدرّجات بعض المقاهي المتواضعة نكحّل عيوننا بزرقة البحر والسماء، وتدغدغ وجوهنا نسيمات الماء في هذه الأيام المودّعة الصيف بكثير من الأمل بمستقبل أجمل يليق بليبيا وأهلها.
شكرا لمنظمي هذا المؤتمر الهام، والذي آمل شخصيًّا أن ينقل بعضًا من تاريخ وحضارة وواقع بنغازي التي تقول كل ذرة تراب فيها، بانها تريد ان تنهض من كل التاريخ الصعب، وترسم مستقبلا يليق بها وبأهلها .
يتبع
