في العاصمة المصرية القاهرة، توفي المفكر والكاتب وعالم الاجتماع السوداني الدكتور حيدر إبراهيم ،عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد مسيرة فكرية وأكاديمية وثقافية امتدت لأكثر من خمسة عقود، ظل خلالها حاضرًا في أبرز النقاشات حول السودان والدولة والمجتمع والديمقراطية.
وُلد حيدر إبراهيم، عام 1943 في منطقة القرير بالسودان، وبدأ دراسته في التاريخ والتربية، فنال دبلوم كلية التربية بأم درمان عام 1966، ثم حصل على ليسانس علم الاجتماع من جامعة القاهرة عام 1970. وانتقل إلى ألمانيا لاستكمال دراسته العليا، وحصل عام 1978 على الدكتوراه في فلسفة العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت.
امتدت مسيرة الدكتور حيدر إبراهيم الأكاديمية والبحثية والثقافية على مدى عقود، تنقّل خلالها بين التعليم الجامعي والعمل البحثي والإدارة الثقافية. بدأ التدريس في المدارس الثانوية بين عامي 1966 و1971، ثم عمل مساعدًا للبحث في معهد فوربينوس بفرانكفورت بين عامي 1977 و1978، وشارك خلال الفترة نفسها في إعداد وتصوير أفلام وثائقية أنثروبولوجية بالتعاون مع القناة الثانية بالتلفزيون الألماني.
وفي عام 1978 عمل محاضرًا في جامعة قار يونس ببنغازي، ليبيا، ثم محاضرًا في جامعة الأمير محمد بن سعود الإسلامية بالرياض بين عامي 1979 و1980، قبل أن ينتقل إلى جامعة الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل مدرسًا ثم أستاذًا مساعدًا بين عامي 1980 و1987. وفي الفترة من 1987 إلى 1988 عمل أستاذًا مشاركًا في جامعة الجزيرة بقسم التنمية الريفية، كما تعاون مع جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وأشرف على رسائل علمية وعمل ممتحنًا خارجيًا في جامعة الخرطوم عام 1988.
وتولى بين عامي 1990 و1994 مهمة منسق الدراسات والنشر في المجلس القومي للثقافة العربية بالرباط، ثم تولى إدارة مركز الدراسات السودانية عام 1994، وشغل منصب الأمين العام للجمعية العربية لعلم الاجتماع بين عامي 1996 و1998، كما أشرف على مجلة «إضافات» الدورية التابعة للجمعية.
وامتد نشاطه إلى عضوية عدد من الهيئات العلمية؛ فكان عضوًا في الجمعية الدولية لعلم الاجتماع منذ عام 1980، وعضوًا في رابطة الأنثروبولوجيين الملكية في بريطانيا منذ عام 1982، وعضوًا في مجلس أمناء الجمعية العربية لعلم الاجتماع منذ عام 1985. كما كان عضوًا في الجمعية الدولية لعلم الاجتماع في روما خلال عامي 1995 و1996، وعضوًا في المجلس الاستشاري لـبيت العرب في مدريد منذ عام 2008، وعضوًا في مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 2014، وعضوًا في الهيئة الاستشارية لـالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة عام 2013.
ولم يتوقف نشاطه عند العمل الأكاديمي، إذ شارك في إعداد استراتيجية التنمية الشاملة لجامعة الدول العربية عام 1985، وفي مشروع جامعة الأمم المتحدة ومنتدى العالم الثالث حول «المستقبل العربية البديلة» في العام نفسه، كما شارك في دراسات الموارد البشرية في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1986 بالتعاون بين جامعة الإمارات والبنك الدولي.
وشغل كذلك أدوارًا استشارية وثقافية متعددة، منها مستشار مجلة السديم في الخرطوم، ومنسق مشروع «إبداع» حول حالة السودان مع المجلس القومي للثقافة العربية بالمغرب حتى عام 1995، ومستشار مجلة آفاق جديدة في لندن عام 1994. كما شارك في لجنة تسيير المجموعة السودانية للسياسات البديلة (GAPD) بالقاهرة والخرطوم عام 1997، ونسّق لجنة البحوث القطرية الخاصة بالسودان مع المجلس الأفريقي للعلوم الاجتماعية (CODESRIA) في داكار عام 2001.
وشملت إسهاماته تأسيس اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد في السودان بالتنسيق مع منظمة الشفافية الدولية في برلين عام 1998، وعضوية الحركة العالمية من أجل الديمقراطية في ديربان وواشنطن، والتعاون مع مركز القاهرة لحقوق الإنسان منذ عام 1999. كما ترأس تجمع الكتاب والفنانين السودانيين بالقاهرة عام 1995، وشارك في لجنة إعداد موسوعة المبدعات العربيات، وتعاون مع مركز المستقبل بأبوظبي والمركز الإقليمي للبحوث والدراسات بالقاهرة عام 2014.
وشارك أيضًا في تحكيم الأبحاث والمخطوطات، فكان محكمًا بمجلة كلية الآداب في جامعة الإمارات العربية المتحدة بين عامي 1986 و1988، وأسهم في تحكيم مخطوطات ودراسات بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية ومركز الإمارات للبحوث الاستراتيجية ومجلة «إضافات». كما كان عضوًا في لجنة منح جائزة الكويت عام 1989 بالتعاون مع مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وعضوًا في لجنة تحكيم نادي دبي للصحافة عام 2003.
وإلى جانب ذلك كله، واصل حيدر إبراهيم، كتابة المقالات وإعداد وتحرير الكتب والدراسات المشتركة، جامعًا بين البحث والتدريس والعمل الثقافي والمشاركة في المؤسسات العلمية والفكرية العربية والدولية.
وشكل نقد الإسلام السياسي والاستبداد، والدفاع عن الديمقراطية والحريات، والبحث في علاقة الدين بالمجتمع والدولة، محاور رئيسية في مشروعه الفكري. كما انشغل بقضايا التنمية، والمجتمع المدني، والتحول الديمقراطي، والعولمة والهوية، والتحرر والتنوير، مقدمًا عبر مؤلفاته ودراساته قراءة نقدية للتحولات السياسية والاجتماعية في السودان والعالم العربي.
ترك الدكتور حيدر إبراهيم إنتاجًا فكريًا وأكاديميًا واسعًا تناول قضايا التنمية، وعلم الاجتماع، والديمقراطية، والإسلام السياسي، والدولة والمجتمع، والهوية، والحريات، ومن أبرز مؤلفاته:
التغيير الاجتماعي والتنمية، القاهرة، دار الثقافة، 1981.
مقدمة في علم الاجتماع، مكتبة العين، 1982.
السكان والتنمية: حالة دولة الإمارات العربية المتحدة، تونس، جامعة الدول العربية، 1985.
أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية نموذجًا، الرباط والقاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1991، وصدر في أربع طبعات.
لاهوت التحرير: الدين والثورة في العالم الثالث، الرباط والقاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1992، وصدر في طبعتين.
الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان، القاهرة، دار الأمين، 1996.
التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، بيروت والقاهرة، 1996، وصدر في طبعتين.
مواقف فكرية، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1999.
المثقفون: التكوين في السودان، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2000.
المجتمع المدني والمجتمع التقليدي في السودان، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2001.
العولمة وجدل الهوية، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2001.
أزمة الأقليات في الوطن العربي، ضمن سلسلة «حوارات العصر»، دار الفكر، دمشق، 2001، بالاشتراك مع الدكتور ميلاد حنا.
التعليم وحقوق الإنسان، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2002.
سقوط المشروع الحضاري، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2004.
سوسيولوجية الفتوى: المرأة والفنون نموذجًا، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2010، ثم صدرت منه طبعة ثانية في الجزائر عن دار القصبة للنشر عام 2014، وطبعة رابعة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2016.
مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب الدنيا وخسارة الدين، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2011.
السودان: الوطن المضيّع، القاهرة، دار ميريت، 2011، ثم صدرت الطبعة الثانية عن دار جزيرة الورد، القاهرة، 2012.
الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان، القاهرة، دار الحضارة للنشر، 2012.
التجديد عند الصادق المهدي: الإشكاليات والاختلالات، القاهرة، دار أوراق للنشر والتوزيع، 2013.
السودان: الحكم الإسلامي وتحديات الدولة الحديثة، القاهرة، دار جزيرة الورد، 2013.
الديمقراطية السودانية: المفهوم، التاريخ، الممارسة، القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2013.
أزمنة الريح والقلق والحرية: سيرة ذاتية، القاهرة، دار الحضارة، 2015.
الفتوى والسياسة، عمّان، الأردن، دار ورد، 2016.
علم اجتماع الدين، عمّان، الأردن، دار ورد، 2016.
أنثروبولوجيا الشعر والحجاب، القاهرة، دار الحضارة للنشر، 2017
وفي كتابه «أزمنة الريح والقلق والحرية»، قدم جانبًا من سيرته الذاتية، مستعيدًا مراحل نشأته ودراسته في السودان وألمانيا، وعلاقاته بالمثقفين والشخصيات العامة، ومواقفه السياسية والفكرية، في سياق يعكس جانبًا من التحولات التي شهدها السودان والمنطقة على مدى عقود.
كما شارك في عدد من المشروعات العلمية والثقافية، بينها وضع استراتيجية التنمية الشاملة لجامعة الدول العربية عام 1985، ومشروعات بحثية مع جامعة الأمم المتحدة ومنتدى العالم الثالث، إلى جانب نشاطه في قضايا المجتمع المدني والديمقراطية والعلوم الاجتماعية.
برحيل حيدر إبراهيم علي، يغيب مفكر سوداني ارتبط اسمه لسنوات طويلة بالأسئلة الكبرى حول الدولة والمجتمع والدين والديمقراطية والحرية، فيما يبقى إنتاجه الفكري والأكاديمي جزءًا من سجل التحولات التي عاشها السودان والعالم العربي خلال أكثر من نصف قرن.
