أعادت التحولات الجيوسياسية الأخيرة طرح سؤال أساسي يتعلق بفعالية الحصار البحري في عالم يتجه تدريجياً نحو تعددية في مراكز القوة ووسائل النقل والتجارة. فمع توسّع بكين في بناء شراكات استراتيجية شاملة مع دول محورية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها إيران والمملكة العربية السعودية (ما يفسر إصرار بكين 10 مارس 2023 لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران) بحيث بدأت تتشكل شبكة اقتصادية ولوجستية جديدة تتجاوز الاعتماد التقليدي على الطرق البحرية فقط.
في هذا السياق، يبرز السؤال الأهم: هل يمكن فعلاً كسر الحصار البحري عبر الطرق البرية؟
الجواب ليس مطلقاً، لكنه ممكن جزئياً واستراتيجياً، خصوصاً عندما تتحول الطرق البرية إلى بدائل حقيقية ومستقرة ضمن مشروع اقتصادي طويل الأمد.
منذ عام 2025، دخلت خطوط الشحن الحديدية بين الصين وإيران حيّز التشغيل الفعلي، ضمن مشروع “الحزام والطريق” الصيني. وتمتد هذه الخطوط عبر قيرغستان – اوزباكستان وتركمنستان وصولاً إلى طهران، ما أوجد ممراً برياً يربط شرق آسيا بالشرق الأوسط بعيداً عن الممرات البحرية التقليدية. وقد ساهم هذا المسار في تقليص زمن نقل البضائع من نحو أربعين يوماً بحراً إلى حوالي خمسة عشر يوماً فقط عبر البر.
صحيح أن النقل البحري يبقى الأكثر قدرة والأقل تكلفة، خصوصاً في ما يتعلق بالنفط والغاز، إلا أن أهمية هذه الخطوط البرية تكمن في قدرتها على تأمين “بدائل استراتيجية” عند الأزمات أو الضغوط السياسية. فالبضائع الصناعية، المعادن، المعدات التكنولوجية، وحتى بعض المشتقات النفطية، باتت قادرة على الوصول عبر البر، ما يقلل من فعالية أي محاولة لعزل إيران اقتصادياً بشكل كامل.
أما النفط، فرغم أن نقله براً عبر القطارات أو الشاحنات أو الأنابيب يبقى أكثر كلفة وأقل قدرة مقارنة بالناقلات البحرية العملاقة، إلا أنه يشكل “شريان إنقاذ” في حالات الحصار أو القيود البحرية. وهنا تظهر أهمية التخطيط الصيني–الإيراني طويل الأمد، الذي لم يقتصر على التجارة فقط، بل شمل البنية التحتية والطاقة والربط الجغرافي.
في المقابل، لا يمكن فهم الدور الصيني على أنه تدخل عسكري مباشر، بل كنوع مختلف من النفوذ يقوم على الاقتصاد والبنية التحتية وربط الأسواق. فالصين تدرك أن إيران تمثل عقدة جغرافية أساسية في مشروع الربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، كما تدرك أن أمن الطاقة بالنسبة لها لا يمكن أن يبقى رهينة الممرات البحرية وحدها.
ومن هنا، فإن تأثير الصين في “كسر الحصار” لا يتمثل في المواجهة العسكرية، بل في تقليل فعالية أدوات الضغط التقليدية عبر بناء شبكات نقل وتمويل وتجارة بديلة. وهذا ما يفسر توسّع الصين في توقيع اتفاقيات استراتيجية شاملة مع دول عربية وخليجية أيضاً، في محاولة لبناء توازنات قائمة على المصالح الاقتصادية المتبادلة، وليس على الاصطفافات السياسية الحادة.
انطلاقا من ذلك، لا يبدو أن العالم يتجه نحو انهيار مفاجئ للنظام الدولي القائم، بل نحو تحوّل تدريجي في أدوات النفوذ والقوة. فكلما توسعت الطرق البرية، وشبكات الطاقة، والاتفاقيات الاستراتيجية العابرة للمحاور، أصبحت القدرة على فرض حصار شامل أقل فاعلية، وازدادت ملامح عالم متعدد الأقطاب تتوزع فيه القوة بين أكثر من مركز دولي.
