حيدر حيدرة-الجزائر

من العاصمة الجزائرية بدأ البابا ليو الرابع عشر جولته الأفريقية و التي ستشمل كل من الكامرون و أنغولا و غينيا.
الطائرة البابويّة حطت على ارضية مطار الجزائر صباحا و كان الرئيس عبد المجيد تبون و أعضاء الحكومة و رئيس اركان الجيش الجزائري اضافة إلى ممثلي السلك الدبلوماسي العربي و الدولي المعتمدين في الجزائر في استقبال البابا ليو الرابع عشر و الوفد المرافق له و بعد الاستماع إلى النشيدين الوطنيين و مصافحة المستقبلين توجه البابا مباشرة إلى مقام الشهيد أين وضع إكليلا من الورد على الضريح و توجه بأولى كلماته إلى الشعب الجزائري أمام المئات الذين تجمعوا في باحة المقام و شكر الله على هذه الفرصة التي اتيحت له لزيارة الجزائر للمرة الثالثة بصفته خليفة الرسول بطرس بعد ان زارها في السابق مرتين بصفته راهبا من رهبانية القديس أوغستين.
البابا اكد أمام الحضور و تحت زخات المطر ان الوقوف عند هذا النصب التذكاري هو تكريم لتاريخ الجزائر و لروح شعب ناضل من اجل استقلال و كرامة و سيادة وطنه و أمته.
البابا قال أيضًا إن هذه الأرض هي ملتقى الثقافات و الأديان و إن الاحترام المتبادل هو الطريق الذي يمكن الشعوب من السير معا متمنيا أن تبقى الجزائر قادرة على مواصلة إسهامها في الاستقرار و الحوار داخل المجتمع الدولي و على ضفتي البحر الأبيض المتوسط و في نهاية كلمته أمام الحضور وجه رسالة إلى الذين يسعون وراء غنى زائل يخضع و يخيب الآمال و كثيرا ما يفسد للأسف قلب الإنسان مذكرا بما طرحه السيد المسيح قبل الفّي سنة : ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله و خسر نفسه.
مباشرة بعد انتهاء كلمته، توجه البابا إلى قصر الرئاسة الذي يبعد مئات الأمتار عن مقام الشهيد أين استقبله الرئيس عبد المجيد تبون بعد ان قدمت له شلة من الحرس الجمهوري التحية و بدأت محادثات منفردة بين الرئيس و بابا الفاتيكان و من بعد موسعة بين وفدي البلدين.
من قصر الرئاسة توجه الباب يرافقه الرئيس تبون إلى المركز الثقافي لجامع الجزائر الأعظم و أمام ممثلي المجتمع المدني الجزائري و السفراء المعتمدين في الجزائر رحب الرئيس تبون بضيف الجزائر الكبير مضيفا ان وجودكم بيننا يمثل حدثا تاريخيا فهي اول زيارة لبابا إلى الجزائر، الأرض الطيبة التي انجبت القديس أوغستين احد أعلام الفكر الإنساني في تاريخ البشرية و هي تعتز بهذا الإرث كما تعتز بإرث مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر الذي كان بحق رجل دولة و رجل دين، كما انه رجل فكر سبق عصره في ترسيخ قيم التسامح و الحوار و التعايش الأمين.
قال الرئيس تبون موجها كلامه للبابا : أنت خير مدافع عن السلام للعالم في الوقت الذي تعصف فيه الحروب و في مقدمتها الشرق الأوسط داعيا البابا و الضمائر الحية في العالم إلى إنصاف الشعب الفلسطيني بوضع حدّ للجرائم المسلطة عليها و ضرورة إقامة دولته المستقلة مضيفا ان صوت الجزائر يتقاطع مع صوت الفاتيكان بالدعاء بالأمن و الأمان في الخليج و لبنان التي ألمت عدوانا و أنت خير حامل للروح و التعايش و السلام مؤكدا ان الجزائر ستبقى توفر الملاذ الآمن للمظلومين و المضطهدين و المحرومين في العالم و ستقف دائما إلى جانب القضايا العادلة.
بعد ذلك توجه البابا ليو الرابع عشر بكلمة معبرة و فلسفية أمام الحضور الرسمي و الشعبي مذكرا انه جاء إلى الجزائر شاهدا للسلام ر الرجاء الذين يتوق اليهما العالم بشدة و اللذين سعى اليهما الشعب الجزائري عبر التاريخ فهو شعب لم تهزمه المحن لأنه متجذر في قيم التضامن و تقبل الآخر و لا يضحي بكرامة في سبيل المنفعة الشخصية . ان الديانة بدون رحمة و الحياة الاجتماعية بدون تضامن هما معثرة و شك في عين الله و مع ذلك مجتمعات كثيرة اليوم تعتقد أنها متقدمة و ما زالت تزداد انحدارا في اللا مساواة و الإقصاء و الأشخاص و المنظمات التي تسيطر على الأخرين و هذا المر تعرفه أفريقيا جيدا تدمر العالم الذي خلقه الله تعالى لكي نعيش فيه معا.
البابا دعا في كلمته اصحاب السلطة إلى تعزيز دور المجتمع المدني النابض بالحياة و يعترف بقدرة الشباب خاصة على مستوى المساهمة في توسيع آفاق الرجاء من اجل الجميع فالسلطات ليست مدعوة إلى السيطرة بل إلى خدمة الشعب و ازدهاره لذلك يجد العمل السياسي معياره في العدل الذي بدونه لا يوجد سلام حقيقي و يتجلى في توفير ظروف متساوية و كريمة للجميع و الكنيسة الكاثوليكية ايضاً بجماعاتها المؤمنة تود ان تساهم في الخير العام في الجزائر و ان تقوي هويتها الخاصة كجسر بين الشمال و الجنوب و بين الشرق والغرب و دعا البابا إلى محاربة الذين يسألون مآسي الأخرين مؤكدا ان المكاسب التي يجنيها من يراهنون على حياة الإنسان هي أرباح محرمة و غير مشروعة.
بعد فترة استراحة، عاد البابا إلى الجامع الأعظم و استقبله مدير الجامع مأمون القاسمي و تلقى البابا مع الوفد المرافق شروحات حول هذه التحفة المعمارية الضخمة و ما يتضمنها من مخطوطات و أوضح بيان عن عمادة الجامع ان اختيار الجزائر بوابة لجولته الأفريقية يمثل فرصة لترقية الحوار بين الحضارات و تعزيز جسور التفاهم بين الشعوب و اكد البيان العمق التاريخي للجزائر التي لم تنكر ماضيها الحضاري و موروثها الإنساني .
بعد ذلك توجه البابا و الوفد المرافق إلى كنيسة السيدة الأفريقية آين اشرف عقب وصوله على احتفالية خاصة نُضمت على شرفه توجه بعدها إلى مقر إقامته في السفارة الباباوية القريب من الكنيسة في حي بوزريعة أعالي العاصمة الجزائرية.
زيارة الباب تتواصل اليوم أين سيغادر إلى مدينة عناية لزيارة الأماكن الآثارية للقديس أوغستين أين سيقيم قداسا كبيرا فيها
