- في خضم مرحلة سياسية انتقالية، أُجريت انتخابات مجلس الشعب السوري لعام 2025 لتعلن عن مجلس “شبه شعبي” يفتقر للشرعية الشعبية الحقيقية. لكن خلف شعارات الديمقراطية والتعددية، يكشف الواقع أن ثلث المجلس سيتم تعيينه من قبل الرئيس الانتقالي، وأن تمثيل المرأة والأقليات في انتخابات الثلثين التي جرت منذ يومين ضعيف جدًا أو معدوم في بعض الحالات. فهذه الانتخابات لم تكن إلا واجهة لتثبيت السلطة، وليس انعكاسًا لإرادة الشعب السوري.
نصف المجلس منتخب ونصفه الآخر تحت سيطرة الرئاسة
النظام الجديد يقسم مجلس الشعب إلى:
• ثلثي الأعضاء يُنتخبون عبر هيئات ناخبة محلية و ليس من الشعب مباشرة و حتى الهيئات الناخبة تتعين بمراسيم جمهورية
• ثلث الأعضاء يُعيّن مباشرة من رئيس الجمهورية الانتقالي.
الهدف المعلن من التعيين هو تحقيق التوازن السياسي، تمثيل الأقليات، وإدخال خبرات مستقلة. لكن في الواقع، يمنح هذا الثلث المعيّن اليد العليا للرئاسة في تشكيل المجلس، ويجعل فكرة فصل السلطات محض وهم، حيث يصبح التشريع في كثيرا” من الأحيان امتدادًا للسلطة التنفيذية وليس منتجًا لإرادة الشعب.
الأمر الأكثر صدمة في هذه الانتخابات هو غياب المشاركة في عدد من المحافظات مثل السويداء والحسكة والرقة، لأسباب أمنية وإدارية.هذا الغياب يجعل المجلس الجديد لا يمثل الشعب السوري بأكمله و أي ادعاء بأن المجلس يعكس الإرادة الوطنية يجب أن يُؤخذ بحذر، فثلثه المعين ونصفه المنتخب من مناطق محددة مما يجعل المجلس تمثيلًا زائفًا.
تمثيل المرأة: فشل ذريع في نص دستوري
على الورق، نص القانون الانتخابي الجديد على أن 20٪ من أعضاء الهيئات الناخبة يجب أن يكونوا نساء.
على الأرض، من بين جميع النواب المعلن عنهم، فازت 6 نساء فقط، أي نحو 5٪ من المقاعد و لم تُسجّل أي فائزة في الدوائر رئيسية، ما يدل على أن التمثيل النسائي رمزي وشكلي أكثر من كونه حقيقيًا.
و حتى التعيينات الرئاسية المنتظرة لا توفر ضمانًا جديًا لتعزيز مشاركة النساء، ما يجعل المجلس الجديد غير متوازن جنسياً على الإطلاق.
تمثيل الأقليات: شكلي ومحدود جدًا
الأقليات الدينية والإثنية، بما فيها العلويون والمسيحيون ، حصلت على تمثيل ضئيل ضمن المقاعد المُنتخبة
• العلويون، الذين يشكلون جزءًا مهمًا من النسيج السوري، حُصر تمثيلهم في مقعدين فقط من أصل 119 مقعدًا معلنًا حتى الآن.
• المسيحيون، تاريخيًا جزء أصيل من الحياة الثقافية والسياسية السورية، حصلوا أيضًا على مقعدين اثنين فقط.
• الأقليات الأخرى كالدرز والإسماعيليين والشيعة السوريين لم يُسجّل لهم حضور يُذكر، وغالبًا ما تم “استبدالهم” بمرشحين يدورون في فلك الولاءات السياسية أكثر من انتماءاتهم المجتمعية.
الخطير في النظام الجديد ليس ضعف تمثيل الأقليات فقط، بل الطريقة التي تمت بها تغطية هذا الضعف عبر آلية التعيين الرئاسي.
• من المفترض أن يضمن ثلث المجلس المعيَّن من قبل الرئيس تمثيل الفئات المهمشة أو الغائبة عن التصويت.
• لكن في الممارسة، سيصبح هذا الثلث أداة لإعادة توزيع الولاءات، بحيث تُختار شخصيات من الأقليات على أساس القرب السياسي من الرئاسة وليس استنادًا إلى قاعدة شعبية أو تمثيل اجتماعي حقيقي.
بهذه الطريقة، أُفرغ مبدأ التعددية من مضمونه: بدل أن يُعبّر المجلس عن فسيفساء المجتمع السوري، تحوّل إلى لوحة ملونة من صنع السلطة، تختار ألوانها بعناية لتبدو جذابة أمام الخارج، لكنها في الحقيقة تفتقر إلى العمق والصدق الداخلي.
و الخلاصة هنا واضحة : الانتخابات الانتقالية في سوريا ليست أكثر من واجهة لتثبيت السلطة، تعكس التناقض بين شعارات الديمقراطية والتطبيق الفعلي، وتؤكد أن السيطرة الحقيقية على التشريع تظل في يد الرئاسة الانتقالية، بينما يبقى الشعب خارج المعادلة.
